|
سليمان الباروني الشاعر
/الفارس المتأصِّل في القضية الوطنية
أمل فوزي الطاهر
ليبيا
.. وطن الشعر والشعراء
موقع:
تفاصيل اخبار ليبيا
قبل
نصف قرن نشر الناقد الليبي الدكتور خليفة محمد التليسي مقالاً استفزازياً متسائلاً:
"هل لدينا شعراء؟!".
يبرز
سليمان الباروني (1870 – 1940)، الشاعر /الفارس المتأصِّل في القضية الوطنية، فهو
أحدُ أبرز زعماء حركة المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الإيطالي، رحل صغيراً (11 سنةً)
طالباً للعلم بجامع الزيتونة بتونس، ثم بالجامع الأزهر في مصر، وكان قد تعرَّف
أثناء دراسته في مصر على المصلح الإسلامي الكبير الشيخ محمد عبده، وصادقه، وتواصل
معه فكرياً، وعندما عاد إلى ليبيا بعد سنوات طويلة من الترحال وطلب العلم، كان قد
أصبح شاباً ناضجاً، مشحوناً بالروح الوطنية المعادية للاستبداد التركي في ليبيا،
وفي سبيل ذلك سُجن لثلاث سنوات، فاضطر إلى مفارقة الوطن في رحلة لجوء سياسي طويلة
عبر تونس والجزائر وفرنسا ومالطا، حتى انتهت به هذه الرحلة الطويلة الشاقة، إلى
الاستقرار في مصر التي كانت تمثل ملجأً سياسياً وفكرياً للمثقفين والسياسيين العرب
والمسلمين الفارين من الاضطهاد العثماني.
أنشأ سليمان الباروني في مصر مطبعةً، وأصدر صحيفةَ الأسد الإسلامي، التي دعا من
خلالها إلى فكرة "الجامعة الإسلامية"، وطبع ديوانه الشعري الأول "ديوان سليمان
الباروني" الذي طُبع بمطبعة الأزهار البارونية، لصاحبها سليمان الباروني وأخويه، في
الحبانية، بشارع محمد علي بمصر، جمادي الأولى سنة 1326هـ، كما هو مدوَّن على
الديوان. ثم أصدر الجزء الثالث من كتاب "الأزهار الرياضية"، وكان الجزء الأول من
الكتاب المطبوع في ليبيا قد أحرقته السلطات التركية، ثم رحل إلى الآستانة بعد
الإصلاحات السياسية الناجمة عن انقلاب حركة "تركيا الفتاة" العام 1908، حيث انتخب
عضواً في "مجلس المبعوثان" العثماني عن ولاية طرابلس، العام 1910. ولما احتلت
إيطاليا ليبيا العام 1911 عاد فوراً إلى بلاده، وانضم إلى قيادة المقاومة.
لكن تركيا سرعان ما خانت الليبيين، إذ باعت ليبيا لإيطاليا وفقاً لمعاهدة "صلح
أوشي" التي سحبت تركيا بموجبها ما تبقَّى من ضباطها وجنودها الذين كانوا يدربون
المجاهدين الليبيين ويحاربون معهم "كان مصطفى كمال آتاتورك أحد هؤلاء الضباط".
رفض سليمان الباروني معاهدة الصلح، وقاد جناح المقاومة الوطنية في جبال نفوسة، وكان
من مؤسسي الجمهورية الطرابلسية العام 1918، وفي سنة 1922، عندما تمكَّنت القوات
الإيطالية من السيطرة على غرب ليبيا، اضطر إلى الهجرة، فجال في أوروبا والشرق
العربي حتى استقر بعُمان 1935، ثم رحل إلى الهند وتوفي بها العام 1940.
شعره وطني سياسي بروح إسلامية إصلاحية، بسيط، بياني، فروسي، مباشر، لصيق
بمواقفه السياسية المرتبطة بفكرة الجامعة الإسلامية، إلى جانب اطلاعه على
الثقافة الفرنسية. رؤيته السياسية تمثلت في الدعوة إلى الجامعة الإسلامية
والمحافظة على الخلافة العثمانية من الاندثار حتى لقب بشاعر "الخلافة"، رغم أنه
قاوم ممارسات استبدادها السياسي في ليبيا، وسُجن ونُفي بسبب ذلك، وقد نذر نفسه
منذ الغزو الإيطالي، للمقاومة والجهاد في الداخل والخارج، ورمز إلى ذلك بعدم
حلاقة شَعر رأسه ولحيته حتى يتحرَّر وطنه من الاستعمار الإيطالي، أو أن يموت
قبل ذلك، فطال شَعره
حتى
وصل إلى ركبته.
هذا هو الشَعر الذي *** شهد الحروب الهائلات
وعليه أمطرت القنابل *** كالصواعق نازلات
آليت أن يبقى إلى *** أن يعبر الجند القناة
لنرى الغزاة على ضفاف *** النيل تفتك بالبغاة
ونرى طرابلس العزيزة *** في ليال باهرات
تختال في برد الهنا *** بالانتصار على الطغاة
أو هكذا يبقى إذا *** لم ننتصر حتى الممات
ومن ديوانه، هذه القصيدة التي يقدم لها بقوله: "قلت القصيدة الآتية في ضمن
مقالة مقابلة لمقالة لمحرر طلياني تكلم في شأن طرابلس، وحرض دولته إيطاليا على
احتلالها، ولامها على التراخي:
نصول إذا حان الدفاع ولا نرى *** جزاء من المولى سوى جنة الخلد
نحب اللقا بنغض الطعن إن يكن *** نضالاً عن الأوطان والدين والمجد
هنيئا لمن أمسى صريعاً مجاهدا ً*** له حُلّة من أرجوان على الجرد
فيا مغرماً بنا تقدم لفتيةٍ *** ترى الموت فوزاً في مصادمة الضد
خفافٌ ثقالٌ في الجِلاد جوادهم *** مكرٍّ مفرٍّ مصدر القرب والبعد
أيا بطلاً رام النزال بضعفه *** ألم تشف غُلاً نكبةُ الحبش الجعد
أراك زماناً طالما حمت حولهم *** ولم يك إلا أن صرعت على الخد
ألم تدع الأسرى هناك تسوقها *** عصا الذل من ذاك النجاشي في الصفد
ألم تك ممن أدرك الناس أنه *** أخف انهزاماً من رباط إلى السند
ألم يكفك النصر المقهقر خسةً *** فلا حول ما هذا التملق كالقرد
فدعك "بنابولي" لعل جبالها *** تخر فتفنى أو تقيك من البرد
فإن بها أفواه بيت تفتحت *** لتمنح دفئاً عاري الجوف والجلد
وأما "سليمى" لاسبيل لوصلها *** ولو تجعل الجوزاء منطقة الغمد
بإذن الذي بالأمس عزز نصرنا *** فكانت "سراقوزا" لنا موقع الجند
وكانت وكانت في "قطانيا" وقعة *** فسادت "بمسينا" الرجال على المرد
ألم تعلم أن المسلمين إذا سطوا *** فواحدهم كالعشر في الجزر والمد
قديماً حديثاً لا افتراء وإن تشأ *** فسل من "أثيني" قريب من العهد
مُحال مُحال أن تدنس روضة *** عليها لواءٌ حُفَّ بالنصر والحمد
المصدر
تفاصيل أخبار ليبيا
|