الــمـؤتـمــر الـليـبـي للامــازيـغـيـة

 

 

Libyan Tmazight Congress

 

 

Agraw a’Libi n’Tmazight

 

 

 

المؤتمر الليبي للامازيغية  منظمة ليبية تعنى بالمسألة الامازيغية والدفاع عن حقوق المتحدثين باللغة الامازيغية. تأسس المؤتمر في 17 سبتمبر 2000، ولظروف الوطن  يتخذ المؤتمر المهجر قاعدة لاعماله

 

 

المؤتمر

اصدرات

وثائق وتقارير

امازيغيات

اباضيات

شخصيات

متابعات

أس انغ

بريد الامازيغية

جمعية تانميرت

نقطة الالتقاء

روابط

 

الرئيسية

 

Tmazight

English

 

التقرير الامازيغي

 

 

اتصل بنا

ابق عضوا

ادعم المؤتمر

 

 

نقطة الالتقاء

 

ما يرد على صفحات الموقع لا يعبر بالضرورة على رأي المؤتمر

 

 

 

 

 

المعلم المقاتل: سليمان الباروني

المصدر: أخر الترجمة

مركز المتوسط للدراسات والبحوث

 

المعلم المقاتل

سليمان الباروني

1873 / 1940

الشاعر ، الأديب ، المجاهد

 

(1)

اسمه ومولده :

 

هو الأستاذ الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله الباروني ، وقد رجحت زعيمة الباروني في آخر كتاب نشرته ، أن والدها سليمان الباروني ولد سنة (1290/1873) في مدينة جادو بجبل نفوسة بطرابلس الغرب . وقد كان لهذه المدينة "جادو" التي يتبع معظم سكانها المذهب الاجتهادي "الإباضي" دورها التاريخي في القديم ، حيث كانت في فترات من التاريخ ، العاصمة السياسية ومقر الحاكم لجبل نفوسة .

 

نشأته ورحلته :

 

في العهد العثماني الثاني قضى الباروني سني طفولته المبكرة والمتأخرة في مسقط رأسه وفي قرى الجبل ، وتلقى مبادئ العلوم ، ونصيبا من كتاب الله على مشايخ الوقت في تلك المرحلة ، وكان من أبرز أشياخه والده الشيخ عبد الله الباروني ، الذي تعهده بالتوجيه والتربية إلى سنة (1305/1887) ، حيث أرسله إلى البلاد التونسية وإلى جامعها المعمور هناك .

 

كان نزول الباروني في تونس ، بعد سنوات وجيزة من احتلال فرنسا لها ، فحصلت له - وكان يعد الخمس عشر من عمره - الصدمة الأولى بالاستعمار والمستعمرين . والتحق أيضا بمعهد الشيخ محمد اطفيش سنة (1236) بيزقن من قرى وادي ميزاب في الجنوب الجزائري . وفي تلك الديار ، عاش الباروني ثلاث سنوات موصولة يستقي من ذلك المحيط الصحراوي النقي المشبع بالروح الدينية ويكرع من منهل شيخه المشهود له بالتبريز عند علماء وحكام المسلمين وغيرهم . وقد درس الباروني على شيخه هذا - فيما نرجح - العلوم الشرعية والفنون العربية ، مثل كتاب جامع الوضع والحاشية والإيضاح للشماخي ، وكتاب النيل للشيخ عبد العزيز الثميني ، وكتاب التوحيد للشيخ أبي عمار الكافي وكتاب معالم الدين للشيخ الثميني ، كذلك تفسير البيضاوي وتفسير الكشاف للزمخشري وهيمان الزاد للشيخ اطفيش ، ونال قسطا من العلوم العربية مثل كتاب سعد الدين التفتازاني وغير ذلك من الكتب .

 

كما كانت له رحلة إلى مصر عام (1310/1892) ، وظل مقيما فيها مدة ثلاث سنوات . وفي عام (1316/1898) عاد من وادي ميزاب إلى الجزائر ومنها إلى تيهرت برفقة بعض أصحابه ، وفي تيهرت وقف على الأطلال واستوقف ، واستعاد ماضي ملوك الدولة الرستمية وما كان لهذه المدينة من تاريخ مجيد ، ثم تحول مرة أخرى إلى الجزائر ، ومنها ولى وجهته نحو وطنه .

 

أساتذته :

 

بالإضافة إلى ما تمت الإشارة إليه فقد اتصل على المستوى الدراسي التعليمي بالحياة التعليمية في جامع الزيتونة وبمناهجه وكتبه وشيوخه المشهورين ، وكان من أظهرهم آنئذ الشيخ محمد المكي بن عزوز ، والشيخ عمر بن الشيخ ، والشيخ سالم بو حاجب ، والشيخ محمد النجار ، والشيخ عثمان المكي ، والشيخ محمد النخلي .

 

محنته وسجنه :

 

سبقت وصوله إلى أرض الوطن وشاية تقضي بأنه كان يعمل ضد أمن الدولة العثمانية ولفائدة دولة أجنبية ، وأنه يتولى رئاسة جمعية فسادية تسعى لفصل ولاية "طرابلس الغرب" عن الدولة العلية ، واتهمته عريضة الاتهام بأنه نصب نفسه سلطانا ، ولقب نفسه بإمام المكان المسمى تاهرت . فسجن في البدء مدة شهرين ونسف ، الأمر الذي أثار ثائرة أهله وسكان الجبل عموما ، وحمل السلطات على إطلاق سراحه بكفالة ، فعاد إلى مسقط رأسه صحبة خمسين فارسا من أعيان مالكية وإباضية الرحيبات ونفوسة وفساطو ، بعد أن برأه الاستئناف بالأكثرية . ولكن لم تمض على إطلاق سراحه هذا مدة طويلة ، حتى جاء نقض البراءة من دائرة التمييز مع عزل أعضاء المحكمة الذين حكموا عليه بالعفو ، فتم القبض عليه من جديد من قبل قائمقام فساطو محمد بك الأسير الشامي ، الذي هول أمام الحاكمين والمحكومين الموقف ، وضخم أحداثه ، حينما اصطحب للقبض على الباروني ما يقرب من مائة وثمانين عسكريا . وأصدرت المحكمة بصورة فورية عاجلة حكمها بنفيه لمدة خمس سنوات بأرض "برود" أو "بقان" الأمر الذي أثار ثائرة القبائل والعشائر ، حتى أخذت تهدد بالتمرد والحركة ، فاضطرت نيابة اسطمبول العامة إلى إعادة النظر في الحكم بإبقائه مدة سنة يقضيها مع المحكوم عليهم بالنفي ، ثم أطلق سراحه وأفرج عنه بكفالة بشرط أن لا تتعدى تحركاته أسوار المدينة ، وأن يظل ملحوظا بمراقبة الضابطة .

 

نشاطاته وأعماله :

 

أفرج عنه بعفو سلطاني عام (1320/1902) ، فجدد مع مواطنيه مسجد جادو ، وشيد مع والده المدرسة البارونية في يفرن عام (1332/1904) ، وكان حريصا على أن يسجل في المناسبات المتعاقبة آيات وده ، ودلائل تعلقه بالرابطة العثمانية والإشادة بذكرياتها ، وبخاصة مدح عبد الحميد الثاني والولاة والمتصرفين ، فنعم في تينك السنين بالأمن وبكبت الحاسدين ، الأمر الذي هيأ له فرصا للتدريس والإقراء والوعظ والإرشاد ، وتحقيق مسائل كتابه الأزهار الرياضية .

  نصحه والي طرابلس بالسفر إلى مصر أو تونس ، فسافر إلى مصر عام (1324/1906) ، وهناك أتيحت له الفرصة للامتزاج بالحياة الثقافية والعقلية ، والإفادة من الحركة الأدبية والفكرية . وقد عقد أيامئذ صلات حميمة مع مشاهير أعلام ذلك المجتمع ، وفي طليعتهم العلماء والأدباء المبرزون مثل الشيخ طنطاوي جوهري ، ومصطفى لطفي المنفلوطي ، وإسماعيل صبري ، وإمام العبد ، وزينب فواز وبرنس القبطي والشيخ المحلاوي . كما كانت له صلات مع العديد من الجمعيات ، كان أبرزها جمعية مكارم الأخلاق . وانتمى إلى الحزب الوطني الذي كان يرأسه الزعيم الشاب مصطفى كامل ، وعقد علائق صداقة مع أعضائه ورجاله البارزين ، وتأثر بنظراته وتقلباته في السياسة . كذلك تأثر بحركة الإصلاح الديني ، وبخاصة دعوة الشيخ محمد عبده - الذي لم تمض على وفاته سنة عند حلوله بمصر - . ولم يقف تفاعله مع تلك النهضة الفكرية عند هذا الحد ، بل مضى أشواطا أخرى أبان فيها عن حيويته ومضاء عزمه وحبه للثقافة والعلم ، فطبع ضمن دائرة بعث التراث وإحيائه التي كانت من أبرز الجهود التي توجهت إليها همم المصلحين والكتاب والأدباء - كتاب والده "سلم العامة والمبتدئين" ودعمه بشروح وجيزة ، ثم أنشأ مطبعة الأزهار البارونية ، التي طبع فيها العديد من الكتب مثل ديوان السيف النقاد للحضرمي ، وكتاب وفاء الضمانة بأداء الأمانة للشيخ محمد اطفيش ، وكتاب الأمالي والذيل والنوادر للبغدادي ، وحاشية الشيخ السالمي على مسند الإمام الربيع ، وديوان القلائد الدرية للشيخ التندميرتي .

 

جريدة الأسد الإسلامي :

 

أنشأ الباروني في مصر هذه الجريدة عام 1907 ، التي أشار فيها إلى بعض أفكاره وآرائه ، وتابع في أنهرها وجوها من النشاطات الفكرية مثل نشاطات الحزب الوطني ، وخطبة زعيمه محمد فريد . كذلك عنى على صفحاتها بقضية بلاده وبغيرها من القضايا . ولئن لم يكتب لهذه الجريدة طول العمر ، إذ لم يصدر منها إلا ثلاثة أعداد ، إلا أنها أبرزت بعض ما كان يعتمل في عقله من أفكار إصلاحية في الدين والسياسة ، فقد كتب في جريدته مقالا حول مفهوم الجامعة الإسلامية والعوائق المانعة من ظهور هذه الجامعة إلى حيز الوجود .

 

رده الصريح على اللورد كرومر : حيث ألف المعتمد البريطاني في مصر كتابا زيف فيه على عادة أهل الأهواء الحقائق ، فتصدى له الباروني رادا عن بطلان دعواه ، داعيا إلى إنشاء حزب الدفاع عن الدين . والحق أن إقامته في مصر كانت حافلة بالنشاط ، مليئة بالأخذ والعطاء ، وقد حدثنا عن بعض انطباعاته وارتساماته وأعماله في البلاد المصرية في أبيات وجيزة في جريدته ، حيث قال :

ولما أن رجــعنا للـديار     ونلنا العفــــو بعد الاقتدار

نهضنا للسياحة والتســلي    وجوب البر مع خوض البحار

نزلنا مصر ذات النيل فيها     رجال العلم كالأسد الضواري

فعلم مدرسي فـاق وصفا     وعلم أزهـــري كالدراري

وفيها الحر يبدي كل فكر     عـــــلانية برابعة النهار

بها كل التسامح فهي حقا      وايم الله منبع للفـــــخار

***  ***  ***

 

(2)

رجوع الباروني إلى ليبيا (1908) :

قام الباروني في أثناء إقامته بمصر برحلة إلى المغرب زار فيها عن طريق مالطة ومرسيليا تونس والجزائر ووهران ومدينة تلمسان . عاد بعدها إلى مصر وبقي فيها فترة غير طويلة ، حيث انتهت إقامته الثانية بهذه الديار - بكل مظاهرها الحيوية سنة (1326/1908) أي في العام الذي أعلن فيه عن عودة الدستور العثماني ، وعن إعطاء الحريات للعثمانيين ؛ فرجع إلى بلاده طرابلس الغرب ، ورشح نفسه للانتخابات ؛ ليكون ممثلا للجبل الغربي في مجلس المبعوثين .

الباروني في الآستانة :  

وبالرغم من قيام بعض الصعوبات الإدارية والحوائل الإجرائية التي واجهته ووقفت في سبيله ، فإنه نجح في الانتخابات ، وسافر في السنة ذاتها إلى الآستانة دار الخلافة الإسلامية يومئذ ، وهناك درس التركية في شهرين بذل فيهما غاية جهده ، وفيها تعرف على البارزين من رجال الفكر والسياسة العرب والترك وغيرهم ، وساهم خلال عضويته بمشاركته النافعة في أعمال المجلس المذكور .

الباروني ينبه إلى أطماع إيطاليا في ليبيا :

قدم الباروني تقريرا سريا أشار فيه إلى أطماع ونوايا إيطاليا في احتلال ولاية طرابلس الغرب ، ودعا فيه إلى ضرورة حمايتها والدفاع عنها .

الباروني في جمعية الاتحاد والترقي :

وفي هذه الفترة التي كانت تمر فيها تركيا بأدق ظروفها التاريخية ، التي تمخضت فيما بعد عن الأحداث الكبرى التي أثرت في مجريات المسألة الشرقية ، بدأت تظهر صلاته مع قادة وأعضاء جمعية الاتحاد والترقي ، ومع زعماء "منظمة تشكيلات مخصوصة" التي لعبت أدوارا بارزة في الحرب الليبية الإيطالية . وقد عاد الباروني إلى بلاده في منتصف سنة 1911 بمناسبة وفاة والدته ، ومكث فيها إلى أن نشبت الحرب الليبية ضد جحافل الإيطاليين الغزاة في أكتوبر (1329/1911) .

دور الباروني في الجهاد الليبي :

لقد تولى الباروني مهمة مكاتبة الصحافة العربية والغربية ومخاطبة الدوائر الرسمية المسؤولة في الخارج بمجريات الحرب الطاحنة وبما تفعله همجية إيطاليا بالشعب الليبي من تجريد وتشريد . لقد حمل الباروني في هذا الطور راية الجهاد مع أبناء وطنه ، وشارك بسيفه وقلمه في معارك رهيبة ضد المستعمرين المستهينين بحرمة الشعوب ، وظل على ذلك الصيال في الدفاع عن حق أمته ، وفي التضحية من أجل الحرية إلى أن ملكت عليه القضية الليبية روحه وفكره ، وحسه وشعوره إلى أواخر حياته . فمنذ صدمة الاحتلال البغيض ، عمل على التعبئة العامة ، وخاض المعارك التي كان من بينها في السنة الأولى من مراحل الجهاد الليبي معركة الهاني أيام 23، 24، 25 أكتوبر سنة 1911 ، ومعركة عين زارة في 4 ديسمبر 1911 ، ومعركة سيدي سعيد 26 ، 27 ، 28 سنة 1911 . وأبلى في تلك المعارك وغيرها البلاء الحسن .

 ثم انتظم مع محمد فرحات الزاوي ، عضو بمجلس المبعوثين في قيادة معسكرات الجهاد ، التي كان يرأسها القائد العثماني نشأت باشا ، فأداروها على خير وجه ، إلى حين سفر نشأت باشا ، حيث آلت الإدارة الكاملة إلى الزعماء الوطنيين ، وكان نت أبرزهم سليمان الباروني . وعندما أبرمت الدولة العثمانية مع إيطاليا معاهدة أوشي سنة 1912 تحت ظروف عصيبة تخلى بعض الضباط الأتراك عن مهامهم في إدارة الحرب والمعسكرات ، كما تخلى كثير من الزعماء الوطنيين عن فكرة مواصلة الحرب والجهاد ، تزعم الباروني مع ثلة من الزعماء المخلصين أمثال محمد عبد الله البوسيفي ومحمد سوف حركة الرفض لتلك المعاهدة ، وأصر على الجهاد ضد الطليان ، وأسس في ذلك التاريخ حكومة أوشكت أن تصل إلى غاياتها في الاعتراف بها وفي نيل ما يسمى "الإدارة المختارة" لولا المكائد الإيطالية التي أحدثت الانقسامات المؤلمة التي ظهرت في صفوف الزعامة الوطنية ، التي عجلت بنهاية تلك الحكومة ، وحسمت الصراع فيما بعد لصالح إيطاليا في معركة جندوبة الشهيرة ، وقد وقف الباروني تجاه تلك الأحداث وقفة عظيمة سجلها له التاريخ ، وأثنى عليها المنصفون من الكتاب والمؤرخين ، يقول اليوزباشي محمد إبراهيم المصري "أحد الضباط المساهمين في الكفاح الليبي" : وإن المرء ليدهشه في سليمان باشا قوة احتماله للمكاره ، وصبره على الشدائد ، حتى إنه في سنة 1913 عندما قام بتأسيس الحكومة الوطنية في طرابلس الغرب ، بعد صلح تركيا وإيطاليا المعروف ، لم تترك إيطاليا وسيلة إلا استعملتها ضده ، فمن السعي إلى تأليب القبائل ضده ، إلى اجتذاب بعض ضعاف النفوس بين الزعماء إلى ناحيتها ، إلى حمل فرنسا على منع القوافل التجارية بين تونس وطرابلس ، كل هذا وسليمان الباروني يعمل على تذليل تلك العقبات ، ومحاربة العدو كلما سنحت فرصة للهجوم من أي ناحية ، حتى يئس العدو من الانتصار عليه بالحيلة أو القوة .

 وفي معركة جندوبة سنة 1913 تمكن الطليان من الانتصار على المجاهدين ، وخضد شوكة الباروني وأنصاره وأعضاده ، فهاجر الباروني مع بعض المناضلين إلى تونس ، ومكث مدة من الزمن في أحوازها ، حيث انتهت المفاوضة بينه وبين الكونت سفورزا مندوب إيطاليا بشأن الإدارة المختارة نهاية سلبية ، حتمتها معركة جندوبة ، واستقل باخرة عثمانية من تونس إلى لندن ، وقد أجرت معه مجلة "التيمس الأفريقية" في لندن مقابلة صحفية ، ابان فيها عن موقفه وموقف الجهاد الليبي ، ودفع فيها عن نفسه التهم الباطلة التي روجها خصومه ، واشاعتها الجرائد والصحف المغرضة .

الباروني في الآستانة من جديد :

يظهر أن إقامته لم تطل ، إذ سرعان ما سافر إلى الآستانة ، التي احتفت بقدومه ، وأكبرت في شخصه جهاد الشعب الليبي ، فعين عضوا بمجلس الأعيان ، ومنحه السلطان محمد الخامس لقب الباشوية ، ولم يكن هذا التكريم ليثني من همته ، أو يزين له الخلود إلى الراحة ونسيان قضية وطنه المعذب ، بل كان خلال إقامته في الآستانة كالصمصام الذي اعتاد الضراب فلا يهدأ في قرابه .

الباروني في مهمة :

أرسلته الحكومة العثمانية سنة 1914 إلى منطقة السلوم في مهمة لكسب السيد أحمد الشريف في جانب العثمانيين ، ونظرا للاختلاف القائم في وجهات النظر العثمانية والسنوسية حول مسألة حرب الإنجليز في مصر ، اعتقل السيد أحمد الشريف الباروني ، مدة سنة ونصف تقريبا عاد بعدها الباروني إلى الآستانة عن طريق النمسا بعد أن أبدع قصيدته المشهورة :

هذا هو الشعر الذي     شهد الحروب الهائلات

***  ***  ***

(3)

الباروني في طرابلس 1916 :

وصل إلى طرابلس على ظهر غواصة تحمل منشورا من السلطان محمد رشاد الخامس ، يتضمن نداء لسكان الولاية ، يؤكد على قوة الدولة العثمانية ، وعلى عزمها على مواصلة الحرب مع حليفتها ألمانيا ، ويثني على بطولة الشعب الليبي وصموده ، وفيه أيضا حث على وجوب طاعة حامله سليمان الباروني ، وعلى إدامة الجهاد . وقد وصل في 18 أكتوبر 1916، ومعه الهدايا والأوسمة والنياشين للزعماء والرتب للقادة والأعيان . وقد نزل في مصراتة حيث التقى رمضان السويحلي ، وعلم في اجتماعه به بما كان بين مصراتة وورفلة من خلاف ، فعمل جادا على إزالته وعلى رأب الصدع بين الطرفين ، ثم توجه إلى العزيزية ، حيث تلا في اجتماع كبير المنشور الذي كان يحمله ، فعمت الفرحة القبائل التي حضرت تلاوته .

الباروني يحقق الوفاق بين الغرماء :

لقد صالح الباروني بين ترهونة وورفلة بعد أن أصلح ما بين ورفلة ومصراتة ، وخفف حدة النزاع بين السويحلي والسنوسيين ، وسعى لإيجاد الحلول للمشكلات بين سكان الجبل الغربي ، تلك المشكلات التي طرأت أثناء غيابه عن البلاد ، كما قام بتنظيمات داخلية ، وذلك بتعيين الرؤساء والقادة والقضاة والموظفين وبنشر الأمن بين الناس .

الباروني والجمهورية الطرابلسية :

لما رجحت الكفة في نهاية الحرب العظمى إلى جانب الحلفاء ، وجاءت الأنباء إلى مصراتة في أوائل شهر نوفمبر سنة 1918 بسقوط تركيا واحتلال دول الحلفاء لها ، ظهرت إلى الوجود فكرة تأسيس الجمهورية الطرابلسية ، التي اشترك في الدعوة إليها سليمان الباروني ، ورمضان السويحلي وعبد الرحمن عزام والأمير عثمان فؤاد ومختار كعبار ، ونودي للاجتماع من أجل المطالبة بها وأبرازها ، واختير الباروني والسويحلي والمريض وعبد النبي بلخير أعضاء لهذه الجمهورية . وكان من أهم الانتصارات التي حققتها الجمهورية توحيد الجبهة الوطنية إلى حين ، وأملت شروطا ومطالب وطنية على الحكومة الإيطالية ، ومن بينها الحصول على مزايا القانون الأساسي ، الذي حقق لليبيين بعض ما كانوا يطمحون إليه . لكن سرعان ما دب الشقاق في صفوف الزعماء إلى أن احتدمت حروب ضارية مات فيها مئات من الليبيين .

الباروني يغادر ليبيا من جديد :

ومهما يكن من أمر ، فإن تلك المآسي الأليمة ، والعواثير الكثيرة ، جعلته يخرج من بلاده مرغما ، فسافر في البدء إلى إيطاليا مستفيدا من لوائح القانون الأساسي ، ومن صداقاته ببعض الأحرار الإيطاليين ، ولم يطل المكث فيها ، إذ أخبره أحد عارفيه بما يبيت له خصومه ، فسافر إلى "نيس" بفرنسا ، غير أن الحلفاء انتبهوا له وتعقبوه ، فطلبوا من فرنسا أن يحتجز فيها ولا يغادرها خاصة للبلدان العربية الإسلامية .

 وهنالك بقي في الأسر المفروض مدة سنة ونصف تقريبا ، يتجرع مرارة الاغتراب ، وعذاب فراق الأهل والأحباب ، مع ما اكتوى به من ضيق ذات اليد ، فقد حرم من مستحقاته ورواتبه من تركيا ، بدعوى أنه من الأسماء التي كانت تلاحقها الحكومة الكمالية .

  ولم تشأ إرادة الله ، أن تتركه يتقلب في أحضان الاغتراب والعسر ، فأسعفته على قنوط منه بفرج لم يكن منتظرا ، حيث استجاب صديقه الشريف حسين ملك الحجاز لدعوته ، ومنحه الإذن للدخول إلى مملكته ، فسافر إليها بقصد الحج عن طريق الإسكندرية فبيروت ، وفي الحجاز التقى الشريف حسين الذي عرض عليه أن يقيم في الحجاز لما له من المكانة عنده .

الباروني في مسقط :

سافر الباروني بعد أداء الحج إلى مسقط بالرغم من اعتراض الإنجليز على السلطان تيمور ابن فيصل آل سعيد . واستقبل في تلك الديار استقبالا عظيما ، ورحب به ترحيبا صادقا . وقد حظي من السلطان تيمور ومن الإمام محمد بن عبد الله الخليلي بكل تبجيل وتكريم . وقد كانت أهم أعمال الباروني هناك إزالة الخلاف بين القائم يومئذ بين السلطان والإمام ، وبث روح الإخاء بين الساحل والداخل واطراح ما كان بينهما من عداوة وبغضاء . وقلده السلطان تيمور بن سعيد الوسام السعيدي ، وعينه الإمام الخليلي رئيسا لوزارته ، وفوض إليه مهمة الرقي بالإمامة ، وصار محط ثقة الرجلين ، فأوفد في مسألة المصالحة بين الشريف علي بني الحسين ، وبين عبد العزيز بن سعود ؛ لإيقاف الحرب الدائرة بينهما في الحجاز ، وقد مثلهما خير تمثيل لولا الضغوط الاستعمارية التي أحبطت تلك الجهود .

الباروني في العراق :

بعد أن ألح عليه المرض العضال ، واصطلحت عليه الحمى والملاريا ، كاتب ملك العراق فيصل بن حسين ، يطلب منه الإذن بدخول العراق ، فأذن له مرحبا ومعترفا بصداقته لوالده الشريف حسين ، ومكبرا لشخصيته . ويستنتج من رسائله ، أنه حل بالعراق عام 1348/1929 ، حيث غمرته من الملك والوزراء والأعيان والعلماء أفضال كثيرة ، أسعدته وهيأت له فرصا للاستشفاء والتداوي والإقامة الطيبة في بلاد الرافدين .

الباروني مستشارا لسلطان مسقط :

في سنة 1938 ، وصلته رسالة من السلطان سعيد بن تيمور آل سعيد ، يطلب فيها إليه أن يكون مستشارا له في عاصمة الساحل ؛ فوافق لدواع أملتها المصلحة الخاصة والعامة ، وغادر العراق ، وعاد من جديد إلى المملكة العمانية ، حيث أقام مع أسرته زمنا ، لم ينس فيه أحبابه وإخوانه الليبيين في موطنهم ، لكن ذلك الحنين الصادي ، والغرام الغريم لأوطانه ودياره ولعشيرته وجيرته كان - كما أبانت الأيام - وقدة الذبالة التي تكاد تنطفئ .

مرضه ووفاته في بومباي (الهند) :

فقد سكنت الحمى عظامه واستحكمت علة ضغط الدم في جسده ، المنهك المثقل بالهموم والانفعالات ، وازداد الألم المبرح به في أوائل سنة 1940 ، فطلب من السلطان زيارة الهند للعلاج . وطال الأمد بتحقيق الوعد إلى أن أطل يوم 12 من ربيع الأول 1359هـ ، فانتظم في الوفد الرسمي برئاسة السلطان سعيد للقيام بمهمة عمل ولتعاطي العلاج ، فبدأت الرحلة لتشق به عباب البحار إلى بداية النهاية ، توجه مع الوفد السلطاني إلى كراتشي ، ثم انتهى به المطاف في مدينة بومباي ، وقدر له أن يلفظ أنفاسه الأخيرة فيها ، ويلقى بعد رحلة حافلة مليئة بالعذب والعذاب وجه ربه الكريم فجر 23 ربيع الأول 1359 / مايو 1940م .

***  ***  ***

 

المرجع :

- الباروني ، آثاره وأدبه : د.محمد مسعود جبران .

المصدر: http://www.meditrraneancentre.net/biographies.htm

 

 

Libyan Tmazight Congress

P.O.Box 174, Middlesex UB2 5QF, England

Tel: +44 7719729655

Libyan_tmazight_congress@yahoo.com

alt@alt-libya.org

الــمـؤتـمــر الـليـبـي للامــازيـغـيـة

 

 

 

 

الــمـؤتـمــر الـليـبـي للامــازيـغـيـة

 

 

Libyan Tmazight Congress

 

 

Agraw a’Libi n’Tmazight

 

 

 

المؤتمر الليبي للامازيغية  منظمة ليبية تعنى بالمسألة الامازيغية والدفاع عن حقوق المتحدثين باللغة الامازيغية. تأسس المؤتمر في 17 سبتمبر 2000، ولظروف الوطن  يتخذ المؤتمر المهجر قاعدة لاعماله

 

 

المؤتمر

اصدرات

وثائق وتقارير

امازيغيات

اباضيات

شخصيات

متابعات

أس انغ

بريد الامازيغية

جمعية تانميرت

نقطة الالتقاء

روابط

 

الرئيسية

 

Tmazight

English

 

التقرير الامازيغي

 

 

اتصل بنا

ابق عضوا

ادعم المؤتمر

 

 

نقطة الالتقاء

 

ما يرد على صفحات الموقع لا يعبر بالضرورة على رأي المؤتمر

 

 

 

 

 

المعلم المقاتل: سليمان الباروني

المصدر: أخر الترجمة

مركز المتوسط للدراسات والبحوث

 

المعلم المقاتل

سليمان الباروني

1873 / 1940

الشاعر ، الأديب ، المجاهد

 

(1)

اسمه ومولده :

 

هو الأستاذ الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله الباروني ، وقد رجحت زعيمة الباروني في آخر كتاب نشرته ، أن والدها سليمان الباروني ولد سنة (1290/1873) في مدينة جادو بجبل نفوسة بطرابلس الغرب . وقد كان لهذه المدينة "جادو" التي يتبع معظم سكانها المذهب الاجتهادي "الإباضي" دورها التاريخي في القديم ، حيث كانت في فترات من التاريخ ، العاصمة السياسية ومقر الحاكم لجبل نفوسة .

 

نشأته ورحلته :

 

في العهد العثماني الثاني قضى الباروني سني طفولته المبكرة والمتأخرة في مسقط رأسه وفي قرى الجبل ، وتلقى مبادئ العلوم ، ونصيبا من كتاب الله على مشايخ الوقت في تلك المرحلة ، وكان من أبرز أشياخه والده الشيخ عبد الله الباروني ، الذي تعهده بالتوجيه والتربية إلى سنة (1305/1887) ، حيث أرسله إلى البلاد التونسية وإلى جامعها المعمور هناك .

 

كان نزول الباروني في تونس ، بعد سنوات وجيزة من احتلال فرنسا لها ، فحصلت له - وكان يعد الخمس عشر من عمره - الصدمة الأولى بالاستعمار والمستعمرين . والتحق أيضا بمعهد الشيخ محمد اطفيش سنة (1236) بيزقن من قرى وادي ميزاب في الجنوب الجزائري . وفي تلك الديار ، عاش الباروني ثلاث سنوات موصولة يستقي من ذلك المحيط الصحراوي النقي المشبع بالروح الدينية ويكرع من منهل شيخه المشهود له بالتبريز عند علماء وحكام المسلمين وغيرهم . وقد درس الباروني على شيخه هذا - فيما نرجح - العلوم الشرعية والفنون العربية ، مثل كتاب جامع الوضع والحاشية والإيضاح للشماخي ، وكتاب النيل للشيخ عبد العزيز الثميني ، وكتاب التوحيد للشيخ أبي عمار الكافي وكتاب معالم الدين للشيخ الثميني ، كذلك تفسير البيضاوي وتفسير الكشاف للزمخشري وهيمان الزاد للشيخ اطفيش ، ونال قسطا من العلوم العربية مثل كتاب سعد الدين التفتازاني وغير ذلك من الكتب .

 

كما كانت له رحلة إلى مصر عام (1310/1892) ، وظل مقيما فيها مدة ثلاث سنوات . وفي عام (1316/1898) عاد من وادي ميزاب إلى الجزائر ومنها إلى تيهرت برفقة بعض أصحابه ، وفي تيهرت وقف على الأطلال واستوقف ، واستعاد ماضي ملوك الدولة الرستمية وما كان لهذه المدينة من تاريخ مجيد ، ثم تحول مرة أخرى إلى الجزائر ، ومنها ولى وجهته نحو وطنه .

 

أساتذته :

 

بالإضافة إلى ما تمت الإشارة إليه فقد اتصل على المستوى الدراسي التعليمي بالحياة التعليمية في جامع الزيتونة وبمناهجه وكتبه وشيوخه المشهورين ، وكان من أظهرهم آنئذ الشيخ محمد المكي بن عزوز ، والشيخ عمر بن الشيخ ، والشيخ سالم بو حاجب ، والشيخ محمد النجار ، والشيخ عثمان المكي ، والشيخ محمد النخلي .

 

محنته وسجنه :

 

سبقت وصوله إلى أرض الوطن وشاية تقضي بأنه كان يعمل ضد أمن الدولة العثمانية ولفائدة دولة أجنبية ، وأنه يتولى رئاسة جمعية فسادية تسعى لفصل ولاية "طرابلس الغرب" عن الدولة العلية ، واتهمته عريضة الاتهام بأنه نصب نفسه سلطانا ، ولقب نفسه بإمام المكان المسمى تاهرت . فسجن في البدء مدة شهرين ونسف ، الأمر الذي أثار ثائرة أهله وسكان الجبل عموما ، وحمل السلطات على إطلاق سراحه بكفالة ، فعاد إلى مسقط رأسه صحبة خمسين فارسا من أعيان مالكية وإباضية الرحيبات ونفوسة وفساطو ، بعد أن برأه الاستئناف بالأكثرية . ولكن لم تمض على إطلاق سراحه هذا مدة طويلة ، حتى جاء نقض البراءة من دائرة التمييز مع عزل أعضاء المحكمة الذين حكموا عليه بالعفو ، فتم القبض عليه من جديد من قبل قائمقام فساطو محمد بك الأسير الشامي ، الذي هول أمام الحاكمين والمحكومين الموقف ، وضخم أحداثه ، حينما اصطحب للقبض على الباروني ما يقرب من مائة وثمانين عسكريا . وأصدرت المحكمة بصورة فورية عاجلة حكمها بنفيه لمدة خمس سنوات بأرض "برود" أو "بقان" الأمر الذي أثار ثائرة القبائل والعشائر ، حتى أخذت تهدد بالتمرد والحركة ، فاضطرت نيابة اسطمبول العامة إلى إعادة النظر في الحكم بإبقائه مدة سنة يقضيها مع المحكوم عليهم بالنفي ، ثم أطلق سراحه وأفرج عنه بكفالة بشرط أن لا تتعدى تحركاته أسوار المدينة ، وأن يظل ملحوظا بمراقبة الضابطة .

 

نشاطاته وأعماله :

 

أفرج عنه بعفو سلطاني عام (1320/1902) ، فجدد مع مواطنيه مسجد جادو ، وشيد مع والده المدرسة البارونية في يفرن عام (1332/1904) ، وكان حريصا على أن يسجل في المناسبات المتعاقبة آيات وده ، ودلائل تعلقه بالرابطة العثمانية والإشادة بذكرياتها ، وبخاصة مدح عبد الحميد الثاني والولاة والمتصرفين ، فنعم في تينك السنين بالأمن وبكبت الحاسدين ، الأمر الذي هيأ له فرصا للتدريس والإقراء والوعظ والإرشاد ، وتحقيق مسائل كتابه الأزهار الرياضية .

  نصحه والي طرابلس بالسفر إلى مصر أو تونس ، فسافر إلى مصر عام (1324/1906) ، وهناك أتيحت له الفرصة للامتزاج بالحياة الثقافية والعقلية ، والإفادة من الحركة الأدبية والفكرية . وقد عقد أيامئذ صلات حميمة مع مشاهير أعلام ذلك المجتمع ، وفي طليعتهم العلماء والأدباء المبرزون مثل الشيخ طنطاوي جوهري ، ومصطفى لطفي المنفلوطي ، وإسماعيل صبري ، وإمام العبد ، وزينب فواز وبرنس القبطي والشيخ المحلاوي . كما كانت له صلات مع العديد من الجمعيات ، كان أبرزها جمعية مكارم الأخلاق . وانتمى إلى الحزب الوطني الذي كان يرأسه الزعيم الشاب مصطفى كامل ، وعقد علائق صداقة مع أعضائه ورجاله البارزين ، وتأثر بنظراته وتقلباته في السياسة . كذلك تأثر بحركة الإصلاح الديني ، وبخاصة دعوة الشيخ محمد عبده - الذي لم تمض على وفاته سنة عند حلوله بمصر - . ولم يقف تفاعله مع تلك النهضة الفكرية عند هذا الحد ، بل مضى أشواطا أخرى أبان فيها عن حيويته ومضاء عزمه وحبه للثقافة والعلم ، فطبع ضمن دائرة بعث التراث وإحيائه التي كانت من أبرز الجهود التي توجهت إليها همم المصلحين والكتاب والأدباء - كتاب والده "سلم العامة والمبتدئين" ودعمه بشروح وجيزة ، ثم أنشأ مطبعة الأزهار البارونية ، التي طبع فيها العديد من الكتب مثل ديوان السيف النقاد للحضرمي ، وكتاب وفاء الضمانة بأداء الأمانة للشيخ محمد اطفيش ، وكتاب الأمالي والذيل والنوادر للبغدادي ، وحاشية الشيخ السالمي على مسند الإمام الربيع ، وديوان القلائد الدرية للشيخ التندميرتي .

 

جريدة الأسد الإسلامي :

 

أنشأ الباروني في مصر هذه الجريدة عام 1907 ، التي أشار فيها إلى بعض أفكاره وآرائه ، وتابع في أنهرها وجوها من النشاطات الفكرية مثل نشاطات الحزب الوطني ، وخطبة زعيمه محمد فريد . كذلك عنى على صفحاتها بقضية بلاده وبغيرها من القضايا . ولئن لم يكتب لهذه الجريدة طول العمر ، إذ لم يصدر منها إلا ثلاثة أعداد ، إلا أنها أبرزت بعض ما كان يعتمل في عقله من أفكار إصلاحية في الدين والسياسة ، فقد كتب في جريدته مقالا حول مفهوم الجامعة الإسلامية والعوائق المانعة من ظهور هذه الجامعة إلى حيز الوجود .

 

رده الصريح على اللورد كرومر : حيث ألف المعتمد البريطاني في مصر كتابا زيف فيه على عادة أهل الأهواء الحقائق ، فتصدى له الباروني رادا عن بطلان دعواه ، داعيا إلى إنشاء حزب الدفاع عن الدين . والحق أن إقامته في مصر كانت حافلة بالنشاط ، مليئة بالأخذ والعطاء ، وقد حدثنا عن بعض انطباعاته وارتساماته وأعماله في البلاد المصرية في أبيات وجيزة في جريدته ، حيث قال :

ولما أن رجــعنا للـديار     ونلنا العفــــو بعد الاقتدار

نهضنا للسياحة والتســلي    وجوب البر مع خوض البحار

نزلنا مصر ذات النيل فيها     رجال العلم كالأسد الضواري

فعلم مدرسي فـاق وصفا     وعلم أزهـــري كالدراري

وفيها الحر يبدي كل فكر     عـــــلانية برابعة النهار

بها كل التسامح فهي حقا      وايم الله منبع للفـــــخار

***  ***  ***

 

(2)

رجوع الباروني إلى ليبيا (1908) :

قام الباروني في أثناء إقامته بمصر برحلة إلى المغرب زار فيها عن طريق مالطة ومرسيليا تونس والجزائر ووهران ومدينة تلمسان . عاد بعدها إلى مصر وبقي فيها فترة غير طويلة ، حيث انتهت إقامته الثانية بهذه الديار - بكل مظاهرها الحيوية سنة (1326/1908) أي في العام الذي أعلن فيه عن عودة الدستور العثماني ، وعن إعطاء الحريات للعثمانيين ؛ فرجع إلى بلاده طرابلس الغرب ، ورشح نفسه للانتخابات ؛ ليكون ممثلا للجبل الغربي في مجلس المبعوثين .

الباروني في الآستانة :  

وبالرغم من قيام بعض الصعوبات الإدارية والحوائل الإجرائية التي واجهته ووقفت في سبيله ، فإنه نجح في الانتخابات ، وسافر في السنة ذاتها إلى الآستانة دار الخلافة الإسلامية يومئذ ، وهناك درس التركية في شهرين بذل فيهما غاية جهده ، وفيها تعرف على البارزين من رجال الفكر والسياسة العرب والترك وغيرهم ، وساهم خلال عضويته بمشاركته النافعة في أعمال المجلس المذكور .

الباروني ينبه إلى أطماع إيطاليا في ليبيا :

قدم الباروني تقريرا سريا أشار فيه إلى أطماع ونوايا إيطاليا في احتلال ولاية طرابلس الغرب ، ودعا فيه إلى ضرورة حمايتها والدفاع عنها .

الباروني في جمعية الاتحاد والترقي :

وفي هذه الفترة التي كانت تمر فيها تركيا بأدق ظروفها التاريخية ، التي تمخضت فيما بعد عن الأحداث الكبرى التي أثرت في مجريات المسألة الشرقية ، بدأت تظهر صلاته مع قادة وأعضاء جمعية الاتحاد والترقي ، ومع زعماء "منظمة تشكيلات مخصوصة" التي لعبت أدوارا بارزة في الحرب الليبية الإيطالية . وقد عاد الباروني إلى بلاده في منتصف سنة 1911 بمناسبة وفاة والدته ، ومكث فيها إلى أن نشبت الحرب الليبية ضد جحافل الإيطاليين الغزاة في أكتوبر (1329/1911) .

دور الباروني في الجهاد الليبي :

لقد تولى الباروني مهمة مكاتبة الصحافة العربية والغربية ومخاطبة الدوائر الرسمية المسؤولة في الخارج بمجريات الحرب الطاحنة وبما تفعله همجية إيطاليا بالشعب الليبي من تجريد وتشريد . لقد حمل الباروني في هذا الطور راية الجهاد مع أبناء وطنه ، وشارك بسيفه وقلمه في معارك رهيبة ضد المستعمرين المستهينين بحرمة الشعوب ، وظل على ذلك الصيال في الدفاع عن حق أمته ، وفي التضحية من أجل الحرية إلى أن ملكت عليه القضية الليبية روحه وفكره ، وحسه وشعوره إلى أواخر حياته . فمنذ صدمة الاحتلال البغيض ، عمل على التعبئة العامة ، وخاض المعارك التي كان من بينها في السنة الأولى من مراحل الجهاد الليبي معركة الهاني أيام 23، 24، 25 أكتوبر سنة 1911 ، ومعركة عين زارة في 4 ديسمبر 1911 ، ومعركة سيدي سعيد 26 ، 27 ، 28 سنة 1911 . وأبلى في تلك المعارك وغيرها البلاء الحسن .

 ثم انتظم مع محمد فرحات الزاوي ، عضو بمجلس المبعوثين في قيادة معسكرات الجهاد ، التي كان يرأسها القائد العثماني نشأت باشا ، فأداروها على خير وجه ، إلى حين سفر نشأت باشا ، حيث آلت الإدارة الكاملة إلى الزعماء الوطنيين ، وكان نت أبرزهم سليمان الباروني . وعندما أبرمت الدولة العثمانية مع إيطاليا معاهدة أوشي سنة 1912 تحت ظروف عصيبة تخلى بعض الضباط الأتراك عن مهامهم في إدارة الحرب والمعسكرات ، كما تخلى كثير من الزعماء الوطنيين عن فكرة مواصلة الحرب والجهاد ، تزعم الباروني مع ثلة من الزعماء المخلصين أمثال محمد عبد الله البوسيفي ومحمد سوف حركة الرفض لتلك المعاهدة ، وأصر على الجهاد ضد الطليان ، وأسس في ذلك التاريخ حكومة أوشكت أن تصل إلى غاياتها في الاعتراف بها وفي نيل ما يسمى "الإدارة المختارة" لولا المكائد الإيطالية التي أحدثت الانقسامات المؤلمة التي ظهرت في صفوف الزعامة الوطنية ، التي عجلت بنهاية تلك الحكومة ، وحسمت الصراع فيما بعد لصالح إيطاليا في معركة جندوبة الشهيرة ، وقد وقف الباروني تجاه تلك الأحداث وقفة عظيمة سجلها له التاريخ ، وأثنى عليها المنصفون من الكتاب والمؤرخين ، يقول اليوزباشي محمد إبراهيم المصري "أحد الضباط المساهمين في الكفاح الليبي" : وإن المرء ليدهشه في سليمان باشا قوة احتماله للمكاره ، وصبره على الشدائد ، حتى إنه في سنة 1913 عندما قام بتأسيس الحكومة الوطنية في طرابلس الغرب ، بعد صلح تركيا وإيطاليا المعروف ، لم تترك إيطاليا وسيلة إلا استعملتها ضده ، فمن السعي إلى تأليب القبائل ضده ، إلى اجتذاب بعض ضعاف النفوس بين الزعماء إلى ناحيتها ، إلى حمل فرنسا على منع القوافل التجارية بين تونس وطرابلس ، كل هذا وسليمان الباروني يعمل على تذليل تلك العقبات ، ومحاربة العدو كلما سنحت فرصة للهجوم من أي ناحية ، حتى يئس العدو من الانتصار عليه بالحيلة أو القوة .

 وفي معركة جندوبة سنة 1913 تمكن الطليان من الانتصار على المجاهدين ، وخضد شوكة الباروني وأنصاره وأعضاده ، فهاجر الباروني مع بعض المناضلين إلى تونس ، ومكث مدة من الزمن في أحوازها ، حيث انتهت المفاوضة بينه وبين الكونت سفورزا مندوب إيطاليا بشأن الإدارة المختارة نهاية سلبية ، حتمتها معركة جندوبة ، واستقل باخرة عثمانية من تونس إلى لندن ، وقد أجرت معه مجلة "التيمس الأفريقية" في لندن مقابلة صحفية ، ابان فيها عن موقفه وموقف الجهاد الليبي ، ودفع فيها عن نفسه التهم الباطلة التي روجها خصومه ، واشاعتها الجرائد والصحف المغرضة .

الباروني في الآستانة من جديد :

يظهر أن إقامته لم تطل ، إذ سرعان ما سافر إلى الآستانة ، التي احتفت بقدومه ، وأكبرت في شخصه جهاد الشعب الليبي ، فعين عضوا بمجلس الأعيان ، ومنحه السلطان محمد الخامس لقب الباشوية ، ولم يكن هذا التكريم ليثني من همته ، أو يزين له الخلود إلى الراحة ونسيان قضية وطنه المعذب ، بل كان خلال إقامته في الآستانة كالصمصام الذي اعتاد الضراب فلا يهدأ في قرابه .

الباروني في مهمة :

أرسلته الحكومة العثمانية سنة 1914 إلى منطقة السلوم في مهمة لكسب السيد أحمد الشريف في جانب العثمانيين ، ونظرا للاختلاف القائم في وجهات النظر العثمانية والسنوسية حول مسألة حرب الإنجليز في مصر ، اعتقل السيد أحمد الشريف الباروني ، مدة سنة ونصف تقريبا عاد بعدها الباروني إلى الآستانة عن طريق النمسا بعد أن أبدع قصيدته المشهورة :

هذا هو الشعر الذي     شهد الحروب الهائلات

***  ***  ***

(3)

الباروني في طرابلس 1916 :

وصل إلى طرابلس على ظهر غواصة تحمل منشورا من السلطان محمد رشاد الخامس ، يتضمن نداء لسكان الولاية ، يؤكد على قوة الدولة العثمانية ، وعلى عزمها على مواصلة الحرب مع حليفتها ألمانيا ، ويثني على بطولة الشعب الليبي وصموده ، وفيه أيضا حث على وجوب طاعة حامله سليمان الباروني ، وعلى إدامة الجهاد . وقد وصل في 18 أكتوبر 1916، ومعه الهدايا والأوسمة والنياشين للزعماء والرتب للقادة والأعيان . وقد نزل في مصراتة حيث التقى رمضان السويحلي ، وعلم في اجتماعه به بما كان بين مصراتة وورفلة من خلاف ، فعمل جادا على إزالته وعلى رأب الصدع بين الطرفين ، ثم توجه إلى العزيزية ، حيث تلا في اجتماع كبير المنشور الذي كان يحمله ، فعمت الفرحة القبائل التي حضرت تلاوته .

الباروني يحقق الوفاق بين الغرماء :

لقد صالح الباروني بين ترهونة وورفلة بعد أن أصلح ما بين ورفلة ومصراتة ، وخفف حدة النزاع بين السويحلي والسنوسيين ، وسعى لإيجاد الحلول للمشكلات بين سكان الجبل الغربي ، تلك المشكلات التي طرأت أثناء غيابه عن البلاد ، كما قام بتنظيمات داخلية ، وذلك بتعيين الرؤساء والقادة والقضاة والموظفين وبنشر الأمن بين الناس .

الباروني والجمهورية الطرابلسية :

لما رجحت الكفة في نهاية الحرب العظمى إلى جانب الحلفاء ، وجاءت الأنباء إلى مصراتة في أوائل شهر نوفمبر سنة 1918 بسقوط تركيا واحتلال دول الحلفاء لها ، ظهرت إلى الوجود فكرة تأسيس الجمهورية الطرابلسية ، التي اشترك في الدعوة إليها سليمان الباروني ، ورمضان السويحلي وعبد الرحمن عزام والأمير عثمان فؤاد ومختار كعبار ، ونودي للاجتماع من أجل المطالبة بها وأبرازها ، واختير الباروني والسويحلي والمريض وعبد النبي بلخير أعضاء لهذه الجمهورية . وكان من أهم الانتصارات التي حققتها الجمهورية توحيد الجبهة الوطنية إلى حين ، وأملت شروطا ومطالب وطنية على الحكومة الإيطالية ، ومن بينها الحصول على مزايا القانون الأساسي ، الذي حقق لليبيين بعض ما كانوا يطمحون إليه . لكن سرعان ما دب الشقاق في صفوف الزعماء إلى أن احتدمت حروب ضارية مات فيها مئات من الليبيين .

الباروني يغادر ليبيا من جديد :

ومهما يكن من أمر ، فإن تلك المآسي الأليمة ، والعواثير الكثيرة ، جعلته يخرج من بلاده مرغما ، فسافر في البدء إلى إيطاليا مستفيدا من لوائح القانون الأساسي ، ومن صداقاته ببعض الأحرار الإيطاليين ، ولم يطل المكث فيها ، إذ أخبره أحد عارفيه بما يبيت له خصومه ، فسافر إلى "نيس" بفرنسا ، غير أن الحلفاء انتبهوا له وتعقبوه ، فطلبوا من فرنسا أن يحتجز فيها ولا يغادرها خاصة للبلدان العربية الإسلامية .

 وهنالك بقي في الأسر المفروض مدة سنة ونصف تقريبا ، يتجرع مرارة الاغتراب ، وعذاب فراق الأهل والأحباب ، مع ما اكتوى به من ضيق ذات اليد ، فقد حرم من مستحقاته ورواتبه من تركيا ، بدعوى أنه من الأسماء التي كانت تلاحقها الحكومة الكمالية .

  ولم تشأ إرادة الله ، أن تتركه يتقلب في أحضان الاغتراب والعسر ، فأسعفته على قنوط منه بفرج لم يكن منتظرا ، حيث استجاب صديقه الشريف حسين ملك الحجاز لدعوته ، ومنحه الإذن للدخول إلى مملكته ، فسافر إليها بقصد الحج عن طريق الإسكندرية فبيروت ، وفي الحجاز التقى الشريف حسين الذي عرض عليه أن يقيم في الحجاز لما له من المكانة عنده .

الباروني في مسقط :

سافر الباروني بعد أداء الحج إلى مسقط بالرغم من اعتراض الإنجليز على السلطان تيمور ابن فيصل آل سعيد . واستقبل في تلك الديار استقبالا عظيما ، ورحب به ترحيبا صادقا . وقد حظي من السلطان تيمور ومن الإمام محمد بن عبد الله الخليلي بكل تبجيل وتكريم . وقد كانت أهم أعمال الباروني هناك إزالة الخلاف بين القائم يومئذ بين السلطان والإمام ، وبث روح الإخاء بين الساحل والداخل واطراح ما كان بينهما من عداوة وبغضاء . وقلده السلطان تيمور بن سعيد الوسام السعيدي ، وعينه الإمام الخليلي رئيسا لوزارته ، وفوض إليه مهمة الرقي بالإمامة ، وصار محط ثقة الرجلين ، فأوفد في مسألة المصالحة بين الشريف علي بني الحسين ، وبين عبد العزيز بن سعود ؛ لإيقاف الحرب الدائرة بينهما في الحجاز ، وقد مثلهما خير تمثيل لولا الضغوط الاستعمارية التي أحبطت تلك الجهود .

الباروني في العراق :

بعد أن ألح عليه المرض العضال ، واصطلحت عليه الحمى والملاريا ، كاتب ملك العراق فيصل بن حسين ، يطلب منه الإذن بدخول العراق ، فأذن له مرحبا ومعترفا بصداقته لوالده الشريف حسين ، ومكبرا لشخصيته . ويستنتج من رسائله ، أنه حل بالعراق عام 1348/1929 ، حيث غمرته من الملك والوزراء والأعيان والعلماء أفضال كثيرة ، أسعدته وهيأت له فرصا للاستشفاء والتداوي والإقامة الطيبة في بلاد الرافدين .

الباروني مستشارا لسلطان مسقط :

في سنة 1938 ، وصلته رسالة من السلطان سعيد بن تيمور آل سعيد ، يطلب فيها إليه أن يكون مستشارا له في عاصمة الساحل ؛ فوافق لدواع أملتها المصلحة الخاصة والعامة ، وغادر العراق ، وعاد من جديد إلى المملكة العمانية ، حيث أقام مع أسرته زمنا ، لم ينس فيه أحبابه وإخوانه الليبيين في موطنهم ، لكن ذلك الحنين الصادي ، والغرام الغريم لأوطانه ودياره ولعشيرته وجيرته كان - كما أبانت الأيام - وقدة الذبالة التي تكاد تنطفئ .

مرضه ووفاته في بومباي (الهند) :

فقد سكنت الحمى عظامه واستحكمت علة ضغط الدم في جسده ، المنهك المثقل بالهموم والانفعالات ، وازداد الألم المبرح به في أوائل سنة 1940 ، فطلب من السلطان زيارة الهند للعلاج . وطال الأمد بتحقيق الوعد إلى أن أطل يوم 12 من ربيع الأول 1359هـ ، فانتظم في الوفد الرسمي برئاسة السلطان سعيد للقيام بمهمة عمل ولتعاطي العلاج ، فبدأت الرحلة لتشق به عباب البحار إلى بداية النهاية ، توجه مع الوفد السلطاني إلى كراتشي ، ثم انتهى به المطاف في مدينة بومباي ، وقدر له أن يلفظ أنفاسه الأخيرة فيها ، ويلقى بعد رحلة حافلة مليئة بالعذب والعذاب وجه ربه الكريم فجر 23 ربيع الأول 1359 / مايو 1940م .

***  ***  ***

 

المرجع :

- الباروني ، آثاره وأدبه : د.محمد مسعود جبران .

المصدر: http://www.meditrraneancentre.net/biographies.htm

 

 

Libyan Tmazight Congress

P.O.Box 174, Middlesex UB2 5QF, England

Tel: +44 7719729655

Libyan_tmazight_congress@yahoo.com

alt@alt-libya.org