وقائع
الاحتفاء الكبير بالأديب الليبي الراحل سعيد المحروق

بالمركز
الثقافي زوارة (غرب ليبيا ) أقيمت الذكرى الثانية عشر لوفاة الأديب
الليبي الكبير
سعيد
سيفاو المحروق ( توفي 27-7-1994م) وفي أمسية خميسية دسمة (27-7-2006م)،
وبحضور مكثف من المهتمين رجالا ونساء ، تقدمتهم عائلة الفقيد (زوجته
وابنها )
وبرعاية من رابطة الفنانين ، وأمانة اللجنة الشعبية للثقافة
والإعلام ، والمدعوين للمشاركة بأوراقهم :الكاتب الصحفي الروائي أحمد الفيتوري (بنغازي ) ،الكاتب الصحفي رضا بن موسى ، الباحثة فاطمة
غندور(طرابلس)، الشاعر عبد السلام العجيلي (درنة)، ومن مدينة الفقيد (جادو)
الباحث نجيب قايد والشاعر سعيد أبو دية، والباحث صلاح سيفاو(زواره)،
وكان أن آذن ببدء الأمسية أمين اللجنة الشعبية للثقافة والإعلام وبعد
ترحيبه بأسرة الفقيد والحضور والضيوف دعا في كلمته الموجزة إلى أهمية
وضرورة الاحتفاء بالرموز الثقافية الليبية التي أعطت عصارة جهدها لهذا
الوطن ،وبعد الوقوف دقيقة صمت ترحما على روح الفقيد الطاهرة ، قدم حسين
المنصورى نبذة عن الكاتب سعيد سيفاو المحروق والتي حوتها مطوية الأمسية
وبصحبة عرض مرئي (داتا شو) لصور وأشعار ومقالات ودراسات جرى جمعها
ورصدها للفقيد الذي ولد بمدينة جادو في جبل نافوسا 1946م، ثم سافر مع
أسرته الى مدينة بنغازي حين اشتدت المجاعة عام 1949م ، وكتب عن ذلك
قائلا :
(أيتها النائمة منذ عام 1960م في مثواك الأبدي يا أماه، عسى أن يكون
انتظارا طويلا وليس موتا ، لقد نام قبلك أخي في بنغازي منذ عام 1948م،
ثم نامت أختي في جادو عام 1951م ، عسى أنام مثلكم قريبا برجاء انتظار
القيامة ، طوبى للمرتاحين في كل مكان) وكانت أولى محاولات الأديب
الراحل الكتابية وهو بعد صغير بمجلة حائطية تحت اسم (جرمة) ، أما أولى
محاولاته الشعرية وهو في سن الخامسة عشر 1961م، وبمجلة (الرواد ) حين
نشر قصيدته الرؤيا، وكذا أولى كتاباته الشعرية بالأمازيغية (ِِAMZRW
NEGH
تاريخنا)و(الكرامة
TIMUZUA )
لتبدأ رحلة شغفه بالبحث في الهوية ،والتاريخ ،واللغة ، وهو من ولع باسم
ليبيا كثيرا، كان يتردد كثيرا رغم صغر سنه على مجالس الثقافة ومنافسها
في طرابلس رغم قلتها،وكانت جلساته الطويلة بالمركز الثقافي المصري ،
ولقد دون سعيد فيما بعد كيف أن لقاؤه الأول مع كتاب تاريخ الفتح العربي
لليبيا للشيخ الطاهر الزاوي في تلك السن كان بمثابة الشرارة الأولى
لوعيه التاريخي بالوطن الليبي
.
يجتاز
الشاعر الراحل مرحلة الشهادة الثانوية بنجاح وتفوق مما يؤهله للدراسة
بكلية الطب – جامعة القاهرة – وهناك تبدأ مرحلة مهمة أخرى في حياته في
الإطلاع عن كثب على الحياة السياسية والثقافية في مصر بؤرة الأحداث
والقرارات للمنطقة العربية بعامة ،هناك درس للكثير من الكتاب المصريين:
طه حسين ، حسين فوزي ، ولطفي السيد وكذلك بعض كتاب المشرق وأدبائهم من
أمثال البياتي ومحمود سعيد، وشوقي، والباروني، وإبراهيم حافظ، وعبد
المعطي حجازي.. والكثير غيرهم وقدم العديد من الدراسات والأبحاث
النقدية التحليلية في كتاباتهم، وقد عرف بين أقرانه بالكثير من المواقف
الشخصية والكتابات السياسية تجاه الأوضاع في المنطقة عموما وليبيا
تحديدا، وكان أن قطعت منحته الدراسية، فاضطر لإيقاف دراسته والرجوع إلى
أرض الوطن بعد أن أنهى سنته الدراسية الثانية طب، ليلتحق بعد عودته
بكلية الحقوق – جامعة بنغازي – وفي تلك الفترة نشر مقالات في العديد من
الصحف والمجلات والإصدارات الليبية ، في بداية عقد السبعينيات يسافر
إلى الولايات المتحدة الأمريكية في دورة دراسية لإعداد أطروحة في
القانون ومكث قرابة السنة ، تزوج بعدها ، 1978 ثم ندبه من شركة الواحة
النفطية حيث كان مستشارا قانونيا إلى مؤسسة الصحافة وله العديد من
الدراسات والأبحاث والأشعار والقصص القصيرة وقد كتب في جل الجرائد
والمجلات الليبية: الرواد، الجيل ، الفصول الأربعة، وكذلك صحف طرابلس
الغرب، الميدان، الأسبوع السياسي والأسبوع الثقافي، الفجر الجديد،
الجماهيرية، الزحف الاخضر، وفي بعض المجلات الأجنبية مترجما لكثير من
الدراسات حول التاريخ واللغة لإجادته اللغات الايطالية، والإنجليزية،
والفرنسية، كان الراحل ملامسا لهموم الثقافة ومواطنها ، ويعرض لهما
بشيء من الحرقة واللوم واليأس تارة ، وبالعنفوان والرفض تارة أخرى، وقد
تميزت كتاباته بالتنوع الغنى والنقد اللاذع، ونعرض هنا لبعض من دراساته
ومقالاته:
متى نقرأ رواية ليبية نشرها 1969م، الدارونية بين الأدباء، سلامة موسى
ووضوح
الرؤية ،الاستلاب التاريخي 1977م، إسرائيليات 1978م، بحثا عن الصوت
المنفرد، اللحظة الحجرية ، مفاهيم غير مفهومة ، وعن تجربته الشعرية
فمعظم أشعاره نشرت في الفصول الأربعة ومجلة الجيل وبعناوين مثيرة تثيرك
لغته وخصوصيته وقدرته على الإفصاح والإبهام على حد سواء ومنها : نشيج
الميازيب ، الصلاة الداخلية ، قلق ، سأعبر هذه المرة عن خوفي ،إجهاشة
ضحك،الجنازة الغجرية ، أشعار ناسخة ومنسوخة،في عام 1979م صدمته سيارة
في طريق قرجي بطرابلس ففقد وعيه ولم يستعده إلا بعد شهر في إحدى مصحات
إيطاليا ، نتيجته شلل نصفي وعدد من المضاعفات والألأم المبرحة التي ظل
يعاني منها على مدى 14 عاما ،إلا أن إبداعاته لم تتوقف ، صدر ديوانه
الأول (سقوط أل التعريف )، وفي1987م ديوان (أشعار كاتمة للصوت) ،ثم
(أصوات منتصف الليل ) حكايات شعبية ،وطرح إبداعاته اللغوية في أساسيات
قواعد اللغة الامازيغية
(TAJRUM NTMAZIGHT)
كتب الراحل قصائده التي تغنى بها الامازيغ في أفراحهم ومناسباتهم
المتنوعة والتي حملت الكثير من همومه ومعاناته وإدراكه للذات
الامازيغية ،وهكذا فإن الحبر لم يجف والدواة لم تصدأ وبحثه الحثيث عن
ذلك الشيء الذي لم يخبو ،فقد يكون سطرا هاربا بين دفتي كتاب، أو قد
يكون ما يكون في أحشاء بحرنا وبرنا اليباب ،عاش ولم ينس كما لن ننسى
نحن .
ثم قدم المنصوري الكاتب الصحفي رضا بن موسى الذي عرض قراءته للتجربة
الشعرية لسعيد المحروق وبدأ مداخلته بإعلان سروره بمشاركته في الاحتفاء
بشاعر ليبي كانت له بصمته الواثقة والمضيفة لتاريخ الثقافة الليبية ،
فاحتفاؤنا بسعيد احتفاء بكل من ساهم في صياغة مجتمعنا وبناءه بشكل أفضل
،وعلى نحو أكثر عدلا وجمالا وبهجة ، سعيد المحروق وعلى المستوى الشخصي
عرفته عندما كنت صبيا في 15 ،أعمل في صحيفة الميدان مراسلا بريديا ،
وكاتبا في المجال الرياضي ، أذكره الان أستاذا ومعلما لي ولجيلي
،وأتمنى أن تقرأ تجربته بشكل أكثر عمقا، فيما يخص المسألة الشعرية أشير
الى أن لتجربة الشعر العربي أثرها الكبير على التجربة الشعرية الليبية
بدا من أحمد رفيق المهدوي ثم شعراء الخمسينيات ومنهم علي صدقي عبد
القادر وعلى الرقيعي وحسن صالح وغيرهم وجميعهم قدم إضافته الجديدة
للتجربة الليبية ، قدموا نقلة انعكست في تحررهم التدريجي من شعر
القافية ،وإن كان اهتمامهم بشكل عام بالقضيتين السياسية والاجتماعية:
الاشتراكية ومحاربة الفقر ،والتحرر والنضال ضد الاستعمار ، ومعاناة
الإنسان في ظل الظروف الاجتماعية الظالمة ، كان حاضرا أيضا نبض المنطقة
العربية ، كما تأثروا بتجارب الشعراء العرب في مصر والعراق(تجربة الشعر
الحر – الحديث ) بالنسبة لحضور تجربتي سعيد المحروق والجيلاني طريبشان
في المنتصف الستيني فقد مثلت جسرا بين شعراء الخمسينييات ( الشعر
الاجتماعي الذي يهتم بالقضايا العامة ) وشعراء المرحلة السبعينيية ،
فتجربتهما تميزت بملمحها الخاص نلمس في أشعارهما بداية التحسيس في
التعبير عن الذات ،عن الخاص ،التجربة الخاصة ، تجربة مجتمع ما وفرد ما
بشكل محدد ، ولأول مرة نجد في أشعارهما الصراع الداخلى ، وإشكالات
العلاقة مع السياسي والاجتماعي ، فعند سعيد دائما الذات تعاني من
إشكالات متعددة لديها إحساس بالحصار السياسي والاجتماعي وتلك الحدود
حول الذات ، وكأنها تبحث عن مجالات أرحب ، وحرية تمكنها من التعبير عما
تريده ، وليس ما يريده السياسي والاجتماعي ،كانت هذه الذات في أشعارهما
تبحث عن التخلص من القيود بما فيها قيود اللغة (عند سعيد) لماذا الفتحة
ولماذا الضمة ، هناك بحث عن لغة أخرى قد تكون لغته التي تعبر عنه بشكل
أكثر وضوحا وأكثر عمقا ، والاهتمام بالخصوصية نجدها عند سعيد في
اهتمامه بالحكايات التي قام بجمعها والتي تشير الى أن ثمة حكاية ليبية
لها خصوصيتها ، وأنه لنا خصوصية ينبغي أن نبحث عنها ونقدمها ونبني بعد
ذلك تجربتنا الخاصة) .
وتابع الباحث القانوني نجيب قايد سرده للحالة الشعرية التى بدت مغايرة
وفارقة لدى الراحل ، مدللا على ذلك بعرضه لأكثر من نموذج لأشعاره
المنشوره ومركز على قصيدته نشيج الميازيب .وقدمت فاطمة غندور ورقتها عن
انشغال سعيد المحروق بالأدب الشفاهي والحكايات تحديدا (أصوات منتصف
الليل ) وأبرزت أن إنشغاله أو مشروعه المبكر كان من مرتكزاته إعترافه
بأهمية هذا الأدب وتقديره لدور الذاكرة الجمعية (استهلالي للقصيدة لم
يعجبني شعرت أنه لا يوفر لي الأمان ..ألخ ..أخطأت في المبنى .ولم أوفق
في المعنى ...فالمعاني كلها ملوكة معروفة مألوفة ...قصتي أتفه من
قصيدتي ...ماذا أضيف بكتابتي بحثا ..لم أجد وسيلة أجتث بها الصديد سوى
أن أقوم بما قاله الناس الأولون ) وهو صاحب توثيق مبكر ورائد للقصص
الشعبي فيما نشره في الصحف والمجلات الليبية، معرفا القراء آنذاك بلون
آخر لحكاياتنا الشعبية وقد بدا محملا بأسئلته فلم يظهر الجامع الموثق
لأدب مكانه فقط بل طارحا لعديد الأسئلة ومنها مأساة الأنسان في الأدب
الشفهي
(مجلة الفصول الأربعة) وأن موت أساطير أجداده يعني موت شعبه برمته ومما
يحسب لتجربته في التدوين صياغته الأدبية الرصينة والسلسة المتبوعه
بحفاظه على كثير من ملامح وخصوصية مجتمع الحكاية ملفوظا شفاهيا
ومستعملات مكانية وعادات وتقاليد ( الجحفة الباصور ، ريحة الكسري
والمسري ، ياودي وباهي ،الغولة تامزا ، ماوية بنت طرنجية ، زوفري )
والتي نقرأها في متن أكثر حكاياته، وسعيد من ذيل الحكايات بخلاصة يبث
فيها ما تؤديه الحكاية من وظيفة أخلاقية تربوية ونموذجها في بونفيص (
لقد كان نصف آدمي لكنه استطاع بعقله أن يشق عدة دروب وعرة أمامه ومن
خلفه ، أفضل من إخوته مكتملي النمو ، والذين ضلوا الطريق والتهمتهم
أنياب الغولة ! )
ثم كانت المساهمة الشعرية لعبد السلام العجيلي والذي تجلى بأعذب
الكلمات التي ألهبت المشاعر والأحاسيس ،واستولي بإلقائه الشجي المتمكن
على ألباب الحضور ، فمن المشواشي التعس، الى الليبية ، الى اللعبة ،
حتى أن الكاتب الصحفي أحمد الفيتوري والذي استلم عنه عقبه قياد الأمسية
بادر الحضور مداعبا :
الحقيقة
إذا حضر الشعر بطل الكلام ، وإذا حضر عبدالسلام العجيلي بطل أحمد
الفيتوري
(ضحك الجمهور) ، لكن نحن في حضرة شاعر لهذا لابد من الشعر، فسعيد
المحروق صديقي الرجل الشاعر، وهكذا كان يجب أن يقف عبدالسلام العجيلى
في حضرة الشعر ، سعيد هذا الذي لم يكن سعيدا لكنه في كل مرة جعلنا
سعداء ولعل لقائي بكم ووجودي في زوارة لأول مرة في حياتي ، من محاسن
هذا الرجل الطيب ، زوارة التي تحتفي بي حين تحتفي بصديقي ، لذلك سوف
أتحدث هنا عن صديق أكثر مما سأتكلم عن شيء أخر لأني كتبت ما يمكن أن
يقال عن سعيد في أكثر من مقال ، أخر مشهد في حياتي مع سعيد في 88م كنت
في فندق أجنحة الشاطي بطرابلس (بعد خروجي من السجن ) ، وبالمصادفة كان
معي الشاعر المصري المعروف محمد عفيفي مطر وكان هناك من يطلبني وعفيفي
لمقابلته ،كنت على علم بما حدث لسعيد بالتفصيل (الحادث المريع ) فلم
أصدق أنه قادم الي وعفيفي ، خرجنا الى مدخل الفندق وجدنا سعيد ينتظرنا
في السيارة ، أنا أعتقد أنه هذا هو الشاعر ، كان سعيد يريد أن يدلل على
أنه حي، وانه قادر على أن يمنح السعادة أو الحياة، في تلك اللحظة ودون
مبالغة نسيت كل ما مررت به من مرارة حين التقيته رغم الظروف التي
التقيته فيها ، كان عنيدا كما عرفته وعنيفا ، حتى أنه ودون مبالغة كنا
قد تعبنا معه ،ولم يتعب هو من الحديث معنا ، هذا هو سعيد في محنته ،
حياة سعيد محنة بشكل عام ، وهذا ما يمكن أن نقرأ في نصوصه التي كتبت
باللغتين الليبية والامازيغية ، وهناك علامات مميزة في تجربة سعيد
المحروق هي أيضا من العلامات المميزة لهذه البلاد، سعيد من الجيل الذي
يمكن تسميته باليسار الليبي ، هذا الجيل حاول أن يرى حله في العالم وأن
يرى هويته في العالم، وأن يرى كينونته في العالم ومن محاسن الصدف أنني
حين تعرفت على سعيد تعرفت معه على الجيلاني طريبشان ، وابراهيم الكوني
في نفس الوقت ،وكنا نلتقي على الاختلاف وليس على الخلاف ،كنا نتحدث
كثيرا كمختلفين في الآراء وبشدة شديدة ، حتى يظن من يسمع أحاديثنا أننا
على قطيعه وبأننا أعداء ولكن الحق أننا كنا مهجوسين بهذه البلاد التي
اسمها ليبيا ، وآنذاك لم يكن متاحا لنا أن ننطق هذه اللفظة ، لهذا كان
سعيد مشحونا ومنفعلا بالحياة وبالواقع المشحون والمنفعل ، لكن هذا لم
يمنعه إطلاقا من أن يكون منتجا ، فنتاج سعيد ليس فقط ما أشير إليه في
خلاصة الديوانيين الصادريين أو مجموعة الحكايات الشعبية ، فنتاج كثير
لم يضم ويطبع لسعيد المبدع والخلاق والفاعل الذي لم يضيع أي لحظة أو
ساعة ، وهو من كانت تمثل مقالاته إشكالات، لم يكن ما يكتبه سعيد عابرا
سواء مقالاته في الستينيات المكثفة والمختلفة والمصرة على الاختلاف
،وعلى التباين وعلى الانفراد ،وعلى أنه سعيد المحروق هو مفرد بصيغة
الجمع ومنذ كتاباته المبكرة وهناك حوار وسجالات تدور حول هذه المقالات
، أما في مرحلة السبعينات التي عاصرتها وعشتُها (وهناك فرق في السن
بيني وبين سعيد مما يلزمني أن لا أتحدث عن فترة الستينات ) ،أما
السبعينيات التي عايشتها مباشرة سواء عبر القراءة أو العلاقة الشخصية ،
فهناك علامات في الثقافة الليبية ترتكز على ما أثاره سعيد سواء فيما
كتبه عن عبدالله القويرى أوما أثاره من جدل ، وحتى أنه لا يكاد يوجد
عدد تلو العدد إلا ويشي بمن يتفق أو يختلف مع سعيد ، والموضوعة كانت عن
الانتماء ، وهذا من مشاغلي ومشاغل سعيد المحروق وهو من تناول عبدالله
القويري بالذات في هذه الموضوعة فهناك تمازج أو تماثل ، وهناك اختلاف
رغم هذا التجاوب بين القويري وبين سعيد المحروق في البحث عن معنى
الكيان ، والجميل والرائع في هذه الشخصية أنها لم تكن تعرف المهادنة
ولا المداهنة في موضوعتها الأساسية، قد تعرف على المستوى الاجتماعي
بعضا من المجاملات ، في ذات سعيد الأساسي لم تكن هناك إمكانية للتنازل
،وإن حدث فهو هامشي في تجربته ، وعندما كان يطرح موضوعاته كانت هناك
جبهة معارضة عريضة ، كنت بشكل أو بأخر أجد نفسي في هذه التجربة حتى أن
هذه المكاشفة والوضوح جعل في بعض منها مناشير سياسية وذات بعد فكري،
تبدأ من قصيدة مدينتي التي حفظت في ذاكرة الكثيرين باعتبارها منشور
مهرب ، إلى الكثير من القصائد التي ضمها أشعار كاتمة للصوت وهو عنوان
مزلزل ،ولذلك فحضوري لأول احتفاء بسعيد المحروق في ظني أنه يمثل ليبيا
كما هي بأخطائها بصوابها ، بضآلة تجربتها بعمق تجربتها ، بتاريخها هذا
ما يميز سعيد ، ومن هنا شدني في فترة السعينيات واحد من كتابات سعيد
ومن مقالاته النثرية عن الثقافة في ليبيا (اللحظة الحجرية) رغم أني كنت
في تلك الفترة مختلف اختلاف شديد معه ، المقال به نقطة مهمة جدا حين
يلتقط سعيد لحظة جبرين المواطن الليبي الذي يأخذ هنري لوت الفرنسي
مكتشف لوحات تاسيلي ، كان جبرين يكتشف للوت عالمه حضارته ، عمقه بعد
إنساني عميق في الزمن وذو دلالات ، دون أن يدرك جبيرين ما يفعل، ليس
لديه أي حس بما يفعل ،ليس لديه حس بالبعد الحضاري العميق الدلالة
للاكتشاف الذي يحدثه الكشف عن تاسيلي ، يلتقط سعيد هذا ويسمي المفارقة
اللحظة الحجرية، ودلالات اللحظة الفلسفية ومفهومها عند أرسطو والحجر
بما يمكن أن يعنيه ،كان سعيد يريد أن يقول نحن لسنا أبناء أنفسنا بمعنى
ما ،نحن مفارقين لذواتنا، ولكن بإمكاننا أن ندل الآخرين على أن
يعرفونا،وهنا المفارقة كان مقال مكثف مليء بالدلالات الفلسفية والفكرية
، وأيضا جمال الأسلوب يحكي ويكتب بمتعة نصه حي نابض كانت لديه عناية
وقلق وتوتر مع الكلمة في ذاتها وصدامي معها في نفس الوقت ، وبشكل أو
بأخر كان سعيد فينا لم نشعر بمسافة في حواراتنا معه على العكس كثيرا ما
شعرنا أن سعيد هو عيوننا الخفية عنا ، حتى في اشتغاله في بدايته الأولى
بترجمته لأشعار بالأمازيغية ، حينها نشر إبراهيم الكوني قصائد عن
الطوارق وقرأتها بإعجاب شديد أظنها نشرت بليبيا الحديثة وهي أشعار
غنائية رفيعة المستوى ، وعندما التقيت سعيد سألته هل يمكن أن نفصل أو
أن نحدد أن التجربة الشعرية الليبية هي بلغة كذا فقط هل أترك الشعر
التارقي معزولا عن التجربة الشعرية الليبية ؟ وكنت آنذاك محور اشتغالي
الموضوعة الليبية ،والى الآن ، كانت المساحة حرة ومفتوحة رغم التعارضات
ليقول كل منا ما يعتقده وما يراه ، وأخلص الى أن صديقي سعيد سيكون أكثر
امتنانا إذا استطعنا جميعنا أن نُخرج نتاجاته في كتاب ، هذا هو الوفاء
الحقيقي ليس لسعيد في ذاته ولكن لهذه البلاد إذا استطعنا أن نجمع هذه
الأعمال ونطبعها سيكون هذا أهم منجز ، فقد كان يشكو هو في مقدمته في
كتابه أصوات منتصف الليل ولايجب أن يطاله ما شكى منه ، أن هذا الشعب
تراثه يضيع مشافهة وليس هناك من يدونه أتمن وآمل أن نحتفي في العام
القادم بعيد ميلاده وأن نعتبر سعيد المحروق رجلا يولد وليس رجلا يموت
.
وكانت العودة الى الشعر الشيخ عيسى أبوديه صديق المحروق ورفيق دربه
المبكر ،من أنتج معه قاموس الامازيغية ،ومن أعلن للحضور أنه كتب قصيدته
الأن وهو يعايش لحظات الأمسية ، وقد خطها على ظهر المطوية وألقاها
بالأمازيغية ، وحاول إيصال بعض من معانيها بالعربية (12 عاما على فقد
سعيد ولم ننساه) مُقرا مفهومه كشاعر عاميه وفصحى وأمازيغي أن لا فرق
بين الناطقين بالأمازيغية والعربية (الليبية) هم نسيج ليبي واحد.
الباحث الشاب صلاح سيفاو كانت خلاصة ورقته معنية بمعاناة المحروق فهو
في رأيه من : (أيقن أن الموت ذاب فيه فلم يعد يكترث بمنتظري رقصته
الأخيرة ، لم ينس لكنته ، لم ينس ذاكرته التي تحزنه ، كان دائم الإيمان
بأن السجود لله وحده ،وأن السعداء هم الموتى
).
ثم تقدم شاعر زواره أمحمد الشريد صادحا بقصيدتين كانت أولاها باللهجة
العامية (بلد الخلود) وأخرى بالأمازيغية.وشارك كلا من الشاعر عبد
السلام العجيلي ، وفاطمة غندور بإلقاء قصائد من ديواني المحروق ، وكان
اختتام الأمسية الاحتفائية بما تغنت به فرقة شباب زوارة والعائدة لتوها
من أسبانيا ،ساحرة الحضور والضيوف وعلى وقع أنغام شجية بكلمات أمازيغية
|