|
أين اختفت منحوتات
الفنان "علي قانه"؟
09 فبراير 2009
أسماء مصطفى
الأسطى
المصدر:
ليبيا اليوم

الفنان
الراحل علي قانة
في
منتصف عام 1966ف، ومع حلول الذكرى الخامسة لوفاة الشاعر "أحمد رفيق
المهدوي" قررت وزارة الإعلام والثقافة التي أنشئت بناءً على
مرسوم ملكي يقضي بإعادة
تشكيل الوزارة في 2/10/1965ف، يترأسها الأستاذ "خليفة التليسي"
الذي شغل قبل هذا
التاريخ وزارة الأنباء والإرشاد وقد لحق هذا التغيير في تسمية
الوزارة تحول وزارة
المعارف إلى وزارة التربية والتعليم التي تغيرت لوائحها
ومهامها، بدأتها بإقامة حفل
لذكراه، وعهدت للفنان التشكيلي الراحل "علي قانة" مهمة نحت
تمثال من الجبس للمحتفى
به.
كانت
الوزارة في أوائل عهدها، وهي التي انبثقت عنها )اللجنة العليا لرعاية
الفنون والآداب( كهيئة مسؤولة بالشأن الثقافي تضم أعضاء من
الأدباء والفنانين،
للبدء في تحقيق العديد من المشاريع الثقافية، كان في مقدمتها
)إقامة المعارض الفنية
وإقرار صلاحيتها((1) كما جرت الإشارة إلى )إعلان عن تنظيم معارض
فنون حكومية((2)
وهو العام الذي أقام في الشهر التاسع منه الفنان "علي العباني"
معرضه الشخصي الأول
ونال مكافأة عنه، وأقام الفنان "علي بركه" معرضه في الشهر
السادس من نفس العام، كما
بدأت اللجنة في الإعلان عن المسابقات الأدبية، وزينت أعمال
الفنانين الليبيين مثل
لوحة "سيدي بنور" ومنحوتة خشبية للبارودي ولوحات "لقاء والخريف
وعمر المختار"
للعباني، أغلفة مجلة )الرواد( الثقافية كدليل عن بداية الاهتمام
بالفن التشكيلي
كلغة وخطاب بصري.
كُلف
الفنان "علي قانة" من قبل وزارة الإعلام والثقافة، بصنع تمثال من
نسختين
–رأس فقط– للشاعر الراحل "أحمد رفيق المهدوي" بهذه المناسبة
بالإضافة إلى تمثال آخر
–رأس فقط– لشيخ الشعراء "أحمد الشارف" والاثنين من الجبس الذي
لا يعيش طويلا، ولا
يحتمل تقلبات الطقس والنقل، لذلك اقترح الفنان على الوزارة بأن
تصنع هذه التماثيل
من معدن البرونز، ولكن لسبب مجهول صممت الوزارة على أن يصنعا من
الجبس!...وربما
يكون الجبس خطوة أولى ثم تأتي المراحل الأخرى.
|
  |
|
الفنان علي قانة وهو يعمل على نحت تمثال الشاعر أحمد رفيق
المهدوي |
جاء هذا
الاهتمام غير المألوف بتخليد ذكرى الأعلام، بدأت بالشاعر "المهدوي" ثم
"الشارف" ولحق بهما "خليفة التكبالي" رغم أن الأخير لم يقم له
تمثال أسوة بمن سبقه،
لقد لاقى هذا التخليد لذكرى شاعرين كبيرين بالكثير من الاحتفاء،
وعده البعض )ظاهرة
جديدة لم نتعود عليها فسررنا بمقدمها وباركنا الذين دعوا لها،
بإقامة تمثال وحفل
للشاعر الكبير "أحمد رفيق المهدوي" مما بعث في النفوس أن الأديب
المفكر والفنان
المبدع لن ينسى إذا اختفى عن الوجود، وستخلد مآثره ويبلى ذكره،
وسيجمع تراثه
ويحفظ...وفي الشهر القادم تخليد لذكرى شيخ الشعراء "أحمد الشارف"...((3)
ويبدو أن
هذا الإنجاز كان له الأثر الكبير على المثقفين حيث تساءلت صحيفة
"الأولمبياد" في
عددها الرابع، عن إقامة التماثيل في الميادين )لماذا لانقيم
تماثيل لأدبائنا
وشعرائنا في بعض مياديننا؟ بل لماذا لا نطلق أسماءهم على بعض
شوارعنا ؟((4).
ولد
الفنان "علي سعيد قانه" عام1935ف، كانت البداية لانطلاقته حين حصوله
على
الشهادة التوجيهية من مدرسة طرابلس الثانوية عام 1956ف، حينما
نال حقه بالايفاد
لإيطاليا في بعثة تعليمية لمدة أربع سنوات للدراسة في أكاديمية
الفنون الجميلة
بروما، حيث درس الرسم والنحت، ومددت بعثته سنة أخرى تخصص خلالها
في فن النحت، لكن
الفنان استمر في طلب العلم لمدة أربع سنوات أخرى، لقد درس فن
الحفر )الافريسكو(
ايضا وعندما انتهت البعثة الحكومية ظل يدرس ويعمل ينحت ويحفر
ويرسم ليبيع ما تبدعه
يداه وهو يعيش عزيزاً مكرماً.
أجرى
الصحفي "محمد بشير السوكني" مقابلة مع الفنان "علي قانه" عام 1966ف، في
كوخ صفيح خشبي فوق سطح أحد بيوت المدينة القديمة، هو بيت عائلته
المتواضع، مما دعا
الصحفي إلى كتابة مقال آخر بعنوان )أحزان الفنانين((5) مستشهداً
به كرمز لواقع
الفنان في بلادنا، الذي يحيا بيننا ولا نحس بوجوده، وهو ما حز
في نفسه وآلمه أن يرى
الفنان الذي عاد إلى وطنه، ليساهم في بناء نهضته بفنه وعلمه،
يحيا في بلده بلا
وظيفة، وينحت فوق السطوح رغم أن البلد في حاجة إليه.
عند
عودته للبلاد رفضت وزارة التربية والتعليم تعيينه!!..بسبب زواجه من
سيدة
فرنسية أثناء دراسته في الخارج، وقبل صدور تشريع قانوني يمنع
الموظف الحكومي من
الزواج بأجنبية! لكن الفنان الذي كان بمقدوره العمل في الشركات
الأجنبية وبمرتب
أفضل، ظل يردد في أسف )أريد أن أخدم وطني(.
ففي
7/9/1965ف، كان قد صدر مرسوم ملكي بتعديل أحكام قانون الخدمة المدنية
يشترط على جميع موظفي الدولة عدم الزواج بأجنبية، ويستثني
الموظفين الذين جرى
تعينينهم قبل صدور هذا المرسوم، وبالرغم من )أن الدولة أوفدته
من أجل أن يعود إليها
بثقافته التي بها يبني، تقف في وجهه لوائح )أنت متزوج من
أجنبية...لا مكان لك في
كادر الموظفين الوطنيين( وأي إحساس يخلفه لهذا الفنان؟ وأي شعور
سيء يتركه عند
زوجته التي تحس إحساسه؟ هل كان فرضاً على الفنان أن يكون غير
ليبي حتى ينعم بخيرات
ليبيا؟ ما أتعس الإنسان حينما يشقى بوطنه لأنه مواطن... ((6)
لا
تهدموا المساجد وابقوا على
المدينة القديمة (7)
مدينة
طرابلس وضواحيها بها مناظر تستهوي كل فنان، بأزقتها الضيقة، بأقواسها
الضخمة،
بطرقها الملتوية، القباب الإسلامية العتيقة والأضرحة والمساجد بأعمدتها
الضخمة
ونقوشها البسيطة، كلها تبعث في الفنان الإحساس بالعظمة الفنية والتصميم
المعماري الروحاني، لكم تأسف الفنان على هدم بعض المساجد القديمة، التي
أقيم على
أنقاضها
أخرى حديثة التصميم بمئذنة كالصاروخ، إن الفارق كبير بين مسجد الناقة
ومسجد
سوق
الثلاثاء الجديد، قد يتفوق الأخير في مساحته وعظمة بنائه مع نظيره
العتيق، ولكن
شتان ما
بين روعة التصميم في جامع الناقة والتصميم الحديث للمساجد.
كما
دعا إلى عدم المساس بالتراث وألا يزول، وبالمحافظة على المساجد القديمة
من الهدم أو التغيير، ونبه إلى إن ضياع هذا التراث هو جريمة في حق
تاريخنا وتراثنا المعماري الذي ينقرض، وفي مقدمته بيوت الله، ولكم ناله
العجب وحز في نفسه عند سماعه بأن صوتاً طالب بمسح المدينة القديمة،
وتشييد أخرى مكانها، ولكم حمد الله على خنق هذا الصوت - النشاز الجاهل
بأهميتها لنا كأمة وتاريخ - قبل أن يعلو.
ولعل
الفنان الراحل كان من أوائل المهتمين بضرورة استرداد الآثار الليبية في
الخارج، بداية من تمثال "فينوس" النادر الذي نقل من مدينة شحات
إلى إيطاليا،
بالإضافة إلى 150 عموداً رومانياً نقلت إلى بريطانيا، وغيرها من
ثرواتنا الأثرية
المبعثرة في الخارج، وهي التي دعا الحكومة إلى استردادها،
والاهتمام بالثروة
الموجودة في الداخل، وحفظ المبعثر منها، وإعادة ترميم ما تم
ترميمه بشكل غير سليم.
عندما
تأسست دار الفنون مطلع العام 1993ف،جرى افتتاحها بمعرض )رباعيات(
تشكيلية للفنانين "علي قانة وعلي العباني والطاهر المغربي وبشير
حمودة" الذي استمر
لمدة أسبوعين خلال الشهر الثاني من ذلك العام، ثم توقفت الدار
حتى مطلع العام
التالي بمعرض )الشتاء( والمستنسخات والبرنامج الثقافي وغيرها من
المعارض، وساءت صحة
الفنان وغاب عن المناسبات الفنية حتى توفي إلى رحمة الله في
22/4/2006ف، تاركاً
إرثاً فنياً جميلاً وإبنة نحاتة هي "هاديه قانه" ومئات من
اللذين تتلمذوا على يديه
الكريمتين.
ولكن... إلى
متى تفتقد الحياة الثقافية الفنية شواهدها؟ وأين اختفت تماثيل
الفنان "قانه" بعد انتهاء الحفل؟ ولماذا لا ينشأ متحف لأعلام
وأعمال رواد الحركة
الفنية والأدبية؟
قائمة
المراجع:
1-
صحيفة فزان، ع136 )13/6/1966(.- ص:6
2-
صحيفة الرائد، س10، ع285 )1/6/1966(.- ص:6
3-
"حصاد الأسبوع".- صحيفة طرابلس الغرب )22/7/1966(.- ص:6
4-
"رأي".- صحيفة الأولمبياد، س1، ع4 )22/8/1966(.- ص:3
5-محمد بشير السوكني."أحزان الفنانين".- صحيفة طرابلس الغرب )25/7/1966(.-
ص:6
6-
علي قانة."حديث عن عالم الفن".- صحيفة طرابلس الغرب )23/9/1966(.-
ص:6
7-
محمد بشير السوكني."حديث مع الفنان علي قانه: لا تهدموا المساجد وابقوا
على
المدينة القديمة".- صحيفة طرابلس الغرب )18/7/1966(.- ص:6
|