بسم الله
الرحمن الرحيم
ورقة
الشأن الامازيغي في ليبيا
تحدي التعدد
مقابل استبداد الواحدية
التاريخ:
05 يونيو 2005
والبداية،
بقول الله تعالى وبعد بسم الله الرحمن الرحيم:" وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ
وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ"، سورة
الروم الآية(22)
وقول
رسوله صلى الله عليه وسلم" لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى"
توطئة
وضع الشعب
الليبي، كل الشعب الليبي في وطنه، ليبيا، من جراء استبداد هذه السلطة
المتمادية، وضع معاناة ومقاساة. المعاناة الوطنية واسعة والمقاساة
الشعبية عميقة في كل أوجه الحياة ومجالاتها(: انتهاكات جسيمة لحقوق
الإنسان والمواطن، غياب الحرية والديمقراطية والقانون العادل، واستشراء
لمظاهر الحرمان المعيشي والظلم الاجتماعي)، ليجعل من سجل السلطة الأسوأ
بين من عرفت المنطقة.
الاستبداد
وفساد الحكم والعبث بمقدرات الوطن جميعا، وعبر العقود، أصابت و لا تزال
تصيب الأمة بما ينذر أن تصاب به الأمم. إن المعاناة، بلا شك، عامة تمتد
لكل أنحاء الوطن، وشاملة لكل الشعب، إلا أن هناك معاناة أخرى، تختلف في
الطبيعة.
وهذه
الورقة ما هي إلا جهد لبيان إلى أن الوطن- على غير ما تروج له السلطة-
متنوع وثري. إن للاستبداد، ووليدته المعاناة، أشكال يعرفها كل
الليبيين، وإن للاستبداد أشكال لا يعرفها إلا بعض من الليبيين، وهذه
الورقة للفت الانتباه إلى تلكم المظالم التي اختص بها الاستبداد جزء من
الوطن والشعب، لاستهدافه المتمادي في نكران ومحاربة الوجود الامازيغي
الليبي.
إن الأمة
الليبية، شأنها شأن الأمم، لا تنحصر في مكون بعينه، إلا لمن شاء أن
يشرع في الإقصاء - بأشكاله- مدعيا الوصاية على الأمة، ليستخف بعـقلها
ويحـتقـر وجدانـها. إن الاستفـراد بتصور معين للهوية، وإرغام كل مكونات
المجتمع على تقبله قسرا، مسلك استبدادي متكرر ومعروف في هذا الجزء من
العالم، تمارسه السلطة القائمة في حق فئات اجتماعية مختلفة في ليبيا،
جماعات قد لا تعبر عن نفسها بالصورة الحصرية الواحدية التي تفرضها
السلطة، وتجعل من التساؤل جرم سياسي تنزله لدرك الخيانة وتضع له
عقوبات، ليس فقط قاسية بل وجماعية أيضا.
و فيما
يلي، سنعرض إلى نذر من معاناة جزء من الليبيين، انبرى النظام بخصهم
بها، ثم سنحاول عرض رؤية عامة، لا تلخص بالضرورة مجملا لتصورات
وتفاعلات الفعاليات المتعاطية مع الشأن الامازيغي الليبي، بقدر ما تعبر
عن فهم جمعوي للشأن.
استذكار
سجل
التاريخ مدونا المساهمة الايجابية المتواصلة للمتحدثين بالامازيغية،
بمشاركهم إخوانهم وشركائهم في الوطن، في كل المراحل التاريخية وساحات
العمل الليبية، مرورا بمرحلة الجهاد الخالدة وبناء دولة الاستقلال
المجيد، وصولا إلى مرحلة مصارعة السلطة الديكتاتورية الحالية، وما
شهدته من أحداث جسام وتضحيات جليلة. مما يعبر عن روح التلاحم والتعاضد
بين المكونات المجتمعية ويعكس روح الانتماء المواطني لكل الليبيين.
معطيات الواقع
الوجود المُعاني:
الامازيغية
مكون أصيل من الوطن (ليبيا) والمتحدثون بالامازيغية جزء أساسي من
مكونات الجماعة الوطنية الليبية، و مع ذلك تفرض عليهم ضروب من
المعاناة، بعض مما تتمثل فيه:
-
عسف الوجود:
محاربة والتضييق
على
الوجود الامازيغي في
ليبيا بامتداداته التاريخية وتمظهراته البشرية وروافده الثقافية.
بهدف طمسه وإذابته، تنفيذا لفهم السلطة بان الامازيغية حالة تاريخية
سابقة ومحتواة.
-
عسف الهوية:
دأبت السلطة على فرض تعريف مغلوط ومتهافت يهدف لطمس الهوية
الامازيغية المتميزة الضاربة في التاريخ.
-
العسف الحقوقي:
مصادرة الحقوق الثقافية ومحاصرة اللغة الامازيغية، بمنع تطورها
وحصرها في تراث شفهي، يعاني أيضا من التضييق.
-
العسف
السياسي:
·
إتباع سياسات عنصرية جهوية لتحقيق مكاسب وقتية ضيقة على حساب
المصلحة الوطنية والسلم الاجتماعي وتغليب أطراف معينة، اقتفاءا
لخطى الاستعمار في العبث والتفرقة.
·
فرض حالة من الوصاية المستمرة على عمليات اختيار القادة الإداريين
ومنع أي شكل من أشكال التعبير الديموقراطي حتى في ادني حالاته ووفق
آليات النظام نفسه، على ما نعرفه جميعا عنها من قصور و صورية.
·
المبالغة– بهدف الإرهاب- في الترصد البوليسي للأقاليم الامازيغية
ووضع المناطق تحت أوضاع بوليسية متوترة وإعطاء صلاحيات سافرة
لأجهزة الأمن والمخابرات.
·
الملاحقة الدائمة والمطاردة المستمرة ضد المناضلين (النشطاء
والقادة) من اجل استرداد "الحق الامازيغي"، عبر الزج بهم في السجون
ومحاصرتهم بالترصد البوليسي المستمر والمكثف، وفرض العقوبات
الفردية الجماعية السافرة خارج الإطار القانوني، لإرهابهم وذويهم.
·
مصادرة الحقوق الثقافية ومحاصرة اللغة والتراث الامازيغي، بمنع
تمظهرات الثقافة الامازيغية ومنع تطوره و اتصاله بروافده
·
إتباع سياسة تنموية متشككة تمنع توجيه الاستثمارات الاقتصادية
والتنموية للأقاليم وتعمد نحو محاصرة فرص النمو الاقتصادي والتضييق
علي فرص انتشار التعليم العالي والتقني- وهو نفس أسلوب العقوبات
الجماعية المتبع من النظام لمعاقبة العديد من مناطق ومدن ليبيا.
الحق
الامازيغي
الحق
الامازيغي هو حق أصيل كأي حق إنساني أصيل، لكونه حق وهبه الله، الخالق
(تعالى) لجميع الناس، وهو حق متأصل في الطبيعة البشرية، وهو حق مواطني
جوهري مرتبط بمفهوم المواطنة، إلا انه في مجمله مغيب الآن، وفي
استرداده لوجوده الشرعي شعبيا ورسميا، ترجع المواطنة المنقوصة
للمتحدثين بالامازيغية لتكون كاملة، وبمساواة مع إخوانهم وشركائهم في
الوطن، حيث يتمتع المتحدثون بالامازيغية بحقوقهم الإنسانية والمواطنية
كاملة في الوطن.
مطالب
الحق الامازيغي
تدور مطالب
عموم حركة الحق الامازيغي الليبي حول إعادة الاعتبار، الشعبي والرسمي،
للحق الامازيغي. شعبيا، عبر التواصل المجتمعي الايجابي القائم على
احترام التنوع وقبوله والمؤسس على التسامح والتكافل. ورسميا، عبر
الملائمة التشريعية الدستورية والقانونية له، بما يضمن صونه.
والمطالب
هي جزء من وامتداد للحق الامازيغي، الذي يستمد شرعيته وعدالته من
التكريم الإلهي للإنسان، ومن مبادئ الدين الإسلامي السمحة، ومن الحق
الإنساني العام والحق المواطني لكل الليبيين، أفرادا ومجموعات، في ظل
الدولة والنظام المنشودين لليبيا المستقبل.
ويمكن
تلخيص المطالب في المطالب الموضوعية الخمسة:
·
إعادة طرح مفهوم الهوية الليبية، واستنقاذه من حقب الوصاية
والواحدية، والإقرار بان مفهوم الهوية مفهوم للأمة تعمل جماعيا علي
صياغتـه، و ليس لطرف بعينه حق احتكاره، وأن الامازيغية أحدى مكونات
هذه الهوية الوطنية الليبية، بتشارك وتكامل مع باقي مكونات وأبعاد
الهوية الوطنية الليبية.
·
فسح المجالات أمام الثقافة الامازيغية، بتجسداتها المختلفة
ووسائلها المتعددة، كرافد من روافد الثقافة الوطنية الليبية
المتنوعة، و كجزء مساهم ومثري في الثقافة الليبية.
·
الاعتراف باللغة الامازيغية كلغة ليبية، وطنية ورسمية، يحق
استخدامها وتداولها، تعليميا وعلميا وإعلاميا وإداريا، مع دعمها
وإسنادها واعتبارها مكون ثقافي وطني و ليس شأن جهوي أو ظرفي.
·
إن الحرية الدينية و تعدد المشارب الفكرية جزء من بنيان الدول
المعاصرة، ويجب على كل الأطراف الدعوة إلى نبذ الأحكام المسبقة
المبنية على الانفعال ومشاعر التعصب والإقصاء.
·
المدرسة الدينية الاباضية الليبية عريقة وزاخرة، قدمت وما تزال
تقدم تصورات وأفاق يحق للمجتمع الليبي ككل أن ينصت إليها و يتحاور
معها.
·
حق ممارسة المذهب الاباضي: شعائريا وعلميا وإعلاميا.
·
أنه من الإنصاف والعدل، في دولة العدالة والتكافؤ، المنشودة، ضمان
حق إسناد المسؤوليات الإدارية والتسييرية الجهوية للامازيغ، في
مناطقهم- كما هو منتظر ومفترض أن يكون في كل أنحاء ليبيا- عبر
آليات اختيار شفافة وديمقراطية، ضمن إدارة الدولة الليبية
وتقسيماتها.
التفاعل الوطني المهجري
هناك تطور
نوعي مهم في فهم مسألة "الحق الامازيغي"، على الصعيد الثقافي والسياسي
والحقوق إنساني، على مستوى التنظيمات والمستقلين، وان كانت مساهمة
المستلقين أكثر فهما وايجابية، بالنظر إلى تأخر أكثر التنظيمات عن
إبداء موقفها من المسالة. إلا أن الملاحظ، رغم التطور النوعي، استمرار
حالة الالتباس لدى طيف واسع من الرأي العام، مما يتطلب بذل الجهود من
اجل إزالة مساحات الالتباس، نحو مزيدا من التفاعل الايجابي مع مسألة
"الحق الامازيغي".
كما من
الملاحظ، وجود بعض الأصوات المشككة في مسألة "الحق الامازيغي" بإحالتها
وتفسيرها بنظرية المؤامرة، عبر التشكيك باحتمالية وجود أيدي خارجية
تحرك وتثير المسألة. وفي ذات الوقت، ترى بعض الأطراف عدم مناسبة الوقت
لطرح القضية، داعين إلى تأجيلها.
التفاعل
الامازيغي
المشهود
أن، واقع إبعاد الامازيغية المبعد وتغييب حقيقتها، لم ينجحا أو يحولا
دون بروز جهد التصدي لبرامج إلغائها، بل حفزا، في تشبث عادل، حق الوجود
الامازيغي والمقاومة من اجل استرداد "الحق الامازيغي" لوجوده الشرعي
الكامل، يتجسد في حركة/ تيار "الحق الامازيغي" المتنوعة، في رؤى
متعددة.
وعموما
تتفق حركة "الحق الامازيغي" بأهمية تضمين مسألة الحق الامازيغي
ومعالجتها ضمن القضية الوطنية العامة، وهذا يدحض مبررات التريب
والتشكيك، ويقلل بالتالي أي إنزلاقات سلبية. كما تتفق الحركة في أن
"الحق الامازيغي" هو مسألة حقوق إنسان، وليست مسألة سياسية تحسم بآليات
التصويت والأولويات والظرفية، وهذا يسحب حجج المماطلة والتأجيل،
وبالتالي يفرض الاستعجالية في المعالجة.
الخاتمة
إن حكم
نظام الاستبداد القائم في ليبيا افسد ما لا يحصر من جوانب الحياة
السياسية والاجتماعية، غير انه من ضمن ما أجهض القدرة على طرح القضايا
والأسئلة الجوهرية في إطار صحي وعقلاني وفتح المجال لتعاطي ذو معنى لكل
الأطراف الوطنية، تقبل بعضها وتسعى لتكوين أرضيات مشتركة، دونما نفي،
ودونما ادعاء الوصاية والأبوية على عقل الأمة وتفكيرها.
إن هذه
الورقة، هي بعض من مطالب عادلة وبعض من اقتراحات جريئة، نصت عليها
الشرائع السماوية السمحة، وعلى رأسها الإسلام، وأنجزتها الإنسانية
وأكدت عليها في أدبياتها ودعت إليه مؤسساتها. الاتفاق على هذه المطالب
وتجسيدها، قد يمر بصعوبات منطلقة من حسابات بشرية معينة ومبررة بظروف
مرحلية، إلا أن تلك الحسابات والمبررات لا تلغي شرعية استحقاقها ولا
تمنع استمرار النضال من اجلها، وبل أنها قد تنعكس سلبا باستقطابها
لتجاذبات فكرية ومصلحية، محلية أو إقليمية أو دولية، تزيد من تعقيدها.
كما أن نوعية ودرجة التعاطي مع هذه المطالب هو مقياس للفهم وترجمة
للقبول ورسالة استحقاق بمدى الالتزام بتعاليم ديننا الحنيف وبمبادئ
وشعارات حقوق الإنسان والديمقراطية المرفوعة من قبل القياديين
السياسيين والمثقفين الملتزمين.
إلا انه
من المتوقع والمتعشم من النشطاء والمثقفين والسياسيين أن يسلموا
بمقتضيات الأخوة والعدالة الإسلاميتين، وبمكتسبات الفكر الإنساني وما
نصت عليه مواثيقه ومؤسساته، هذه المطالب هي جزء من وامتداد للحق
الامازيغي، الذي يستمد شرعيته وعدالته من التكريم والتكليف الإلهي، ومن
الحق الإنساني العام وحق كل الليبيين المتساوي، أفرادا ومجموعات، في ظل
الدولة والنظام المنشودين لليبيا المستقبل.
حماية
الوطن من تجاذبات مسألة "الحق الامازيغي" صون لطاقات الوطن واستقراره.
وهذا واجب ومسئولية تاريخية ملقاة على الجميع، وخصوصا المتصدين للعمل
الوطني العام، والذي يهدف إلى تقدم الوطن وراحة مواطنيه. وتلكم كانت من
أهم دوافع السعي لعقد مؤتمر وطني للمعارضة الليبية.
فعقد
المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية، كجهد نضالي والتزام أدبي لتخليص
الوطن وتحرير الشعب، لا يقتصر على مجرد الاحتشاد النضالي المعارض من
تحرير الوطن وتخليص المواطن، وبل تقديم وإرساء تطلعات وتصورات ومشاريع
لليبيا الأمل المنشود. ولذلك فمن المهم أن يبحث المؤتمر الشأن
الامازيغي، باعتباره شأن ليبي أصيل ومؤثر ضمن الكيان الوطني، ماضيا
وحاضرا ومستقبلا، ولما قد يشكله إهماله أو تأجيله من تداعيات سلبية
تزعج مستقبل الوطن المأمول. وأيضا، باعتبار "الحق الامازيغي" مجال
حقوقي إنساني ومواطني لا يمكن قبول استمرار انتهاكه أو تجاوزه تحت أي
مبرر.
وبطرح
لهذه الأفكار نعي جيدا أن الواحدية و احتكار التفكير و النظر ما هي إلا
مقدمات لتأسيس الاستبداد، ولهذا أتت هذه الورقة، في هذا الظرف التاريخي
والمناسبة الوطنية، لكي تدشن أساسا لتناول الشأن الامازيغي، باعتباره
موضوع حق واستحقاق، وأمر وطني عام وملح. وهي بذلك- الورقة- مساهمة
لبناء ليبيا، المستقبل المنشود.
|