الـمــؤتـمــر الـليـبـي للامــازيـغــيـة

 

 

Libyan Tmazight Congress

  Agraw a'Libi n'Tmazight  

 

المؤتمر الليبي للامازيغية  منظمة ليبية تعنى بالمسألة الامازيغية والدفاع عن حقوق المتحدثين باللغة الامازيغية عبر الانخراط في العمل النضالي الوطني لاقامة بديل دستوري ديمقراطي. تأسس المؤتمر في 17 سبتمبر 2000، ولظروف الوطن  يتخذ المؤتمر المهجر قاعدة لاعماله

 

 

المؤتمر

اصدرات

وثائق وتقارير

امازيغيات

الطوارق

اباضيات

شخصيات

متابعات

أس انغ

بريد الامازيغية

جمعية تانميرت

روابط

.

.]

.

.

ززز

.

ز

ز

 

 

.

ما يرد على صفحات

الموقع لا يعبر بالضرورة على رأي المؤتمر

 

 

 

 

 

.



.

 أبجدية التيفيناغ ما حقيقتها؟

21 فبراير 2009

 سعيد بن عبد الله الدارودي*

المصدر: القدس العربي/ محاضرة في ليبيا


المحرر: الأبحاث العلمية جهد مطلوب ومقدر، ولكن كم من الأبحاث العلمية وخصوصا في المجال الإنساني والاجتماعي كانت غرضية ومؤدلجة لخدمة أجندات وأهداف معلنة وغير معلنة، طيبة أو خبيثة، وكم من كلمة حق أريد بها باطل، وكم من مقدمة صحيحة قادت إلى نتائج خاطئة. زفي الموضوع، فمن الغريب أن يسافر النظام إلى أقصى المشارق متجنبا الاستماع لمطالب الحق الأمازيغي العادلة، مطالب شعبه  من المتحدثين بالأمازيغية وهي مطالب حياتية وليست احفورية تاريخية. وخلاصة  الحق يعلى ولا يعلى عليه.

أقام مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية بتاريخ 21/5/2008 محاضرة للكاتب والباحث محمد المختار العرباوي بعنوان: (الكتابة البربرية: اللوبية ـ التيفيناغ ما حقيقتها؟)، كان الضيف المحاضر قد قدم من بلده تونس تلبية للدعوة، وبما أنني كنت في زيارة للجماهيرية الليبية في ذلك الوقت، لأكمل ما ينقصني من ألفاظ اللهجات البربرية بليبيا، حيث أنني بصدد إنجاز كتاب في المقابلات المعجمية يضم الكثير من الكلمات البربرية التي أخذتها من شتى لهجات الشمال الأفريقي، أقول بما أني كنت في طرابلس ساعتها، انتهزت تلك الفرصة لأحضر تلك المحاضرة المهمة.

بقاعة المحاضرة قام الدكتور حبيب وداعة نائب مدير المركز بتقديم الأستاذ العرباوي بدلا من مدير المركز الدكتور محمد الطاهر الجرّاري الذي كان خارج ليبيا. كانت القاعة في البداية شبه خالية، وكنت جالساً في الصف الأمامي، وبعد فترة وجيزة التفت لأفاجأ بحضور مكثف لم أتوقعه، أثناء المحاضرة صرخ أحدهم من الصفوف الخلفية قائلا بأنه سيرد على كلام المحاضر ويدحضه، فما كان من الدكتور وداعة إلا أن أسكته بحزم حتى لايحذو الآخرون حذوه إن هو تساهل معه فيحدث ما لايحمد عقباه. عندما أنهى الضيف محاضرته التي سعى من خلالها إلى إثبات وتأكيد عروبية الكتابة البربرية، عن طريق إيضاح التقارب والشبه ما بينها وبين الكتابات والأحرف القديمة بالمشرق العربي، كالمسند والثمودي، والصفائي، والظفاري، فقال من ضمن ما قاله بأن لفظ تيفيناغ محرف من لفظ (فينيق) لكون البربر أخذوها من أشقائهم العرب الكنعانيين الذين اشتهروا بلقب الفينيقيين. بعد ذلك فُتِح باب الأسئلة والمداخلات أمام الحضور، فنهض أحدهم، وقدم رأيا مخالفا ومغايرا لما قدمه الأستاذ العرباوي في محاضرته. وأضاف أن التقارب والتشابه بين الكتابات المشرقية القديمة والكتابة البربرية ليس دليلا على أنها جاءت من المشرق العربي، واسترسل في أراه وتحليلاته، حتى خرج عن الموضوع، وقفز إلى حادثة الكونجرس الأمازيغي، التي قدم رئيسه إلى ليبيا، وتم الاتفاق معه ومع أعضاء الكونجرس على إقامة مؤتمر علمي يبحث في أصول الأمازيغ، ثم ألغي من طرف الحكومة الليبية. وأخذ المتداخل يتساءل عن سبب الإلغاء، موحيا لمن في القاعة، أن السبب هو خوف التيار العروبي من النتائج العلمية للمؤتمر التي ستثبت بأن الأمازيغ لا علاقة لهم بالعرب في أصولهم ... اضطررت هنا إلى مقاطعته ـ بعد أن وضح تدليسُه ـ فقلت له: يا أخي الكريم قد تم التراجع عن عقد المؤتمر لأن القائمين على أمر الكونجرس الأمازيغي وضعوا شروطا ومطالب للمشاركة في المؤتمر، ولقد رفضت ليبيا تلك المطالب غير المعقولة. سكت الرجل برهة، ثم قال: صحيح أن الإلغاء كان بسبب شروط الكونجرس، لكنها شروط مشروعة، فقد طلب الكونجرس دعوة علماء معينين من فرنسا للمشاركة، والدولة اعترضت عليهم .

قلت له: أيضا هذا ليس صحيحا، فالحكومة في طرابلس هي صاحبة فكرة المؤتمر، فلا اعتراض عندها على أي عالم أو مختص أو باحث للحضور، فإذا كان للتيار ذو النزعة البربرية علماء يراهم حجة له ولقناعاته، فإن للتيار العروبي علماء من العرب والأجانب يبزّون غيرهم حجة وعلماً. أما شروط الكونجرس الأمازيغي فهي تدور حول اللهجات وترسيمها ونحو ذلك من المطالب التي يعرفها الجميع. والواقع أن أعضاء الكونجرس هم الذين كانوا خائفين من النتائج التي سيسفر عنها المؤتمر العملي، ولهذا ترددوا في الموافقة على المشاركة، وليرجع من يشك في هذا إلى التصريحات الصحافية للسيد بلقاسم الونّاس رئيس الكونجرس الأمازيغي .. بعدها واصل المتداخل كلامه متجاوزا موضوع المؤتمر العلمي، وعندما انتهى قام آخر كان يجلس في الصفوف الخلفية للقائمة، وقال من ضمن ما قاله بأن تيفيناغ في اللسان البربري معناها (حرفنا) وهذا يدل على كونها أبجدية ابتدعها أجدادنا الأوائل، فهي كتابة أمازيغية صرفة .. وانبرى بعده آخرون معظمهم من ذوي النزعة البربرية الرافضين مقولة إن البربر عرب في أصولهم العرقية والثقافية، ولقد انتظرت بصبر
حتى أسمع جميع الآراء قبل أن أدلي بدلوي، ثم طلبت أخيرا الأذن بالكلام، صعدت إلى المنصة، في بداية حديثي أثنيت على المحاضرة وقيمتها العلمية، ومن بعد أخذت أعطي بعض الإيضاحات عن ما جاء في المحاضرة فيما يخص ظفار ولهجاتها وذلك قبل أن أتطرق إلى موضوع التيفيناغ .. وعندما بدأت الحديث عن الكتابة البربرية والتي هي موضوع المحاضرة، قلت أن التيفيناغ ليس معناها (حرفنا) وإنما تعني (اكتشافنا) على النحو التالي: تيفيت = اكتشاف، ناغ = نحن، ولكن الحقيقة أن قدماء البربر الذين نعتز ونفتخر بهم، لم يطلقوا على تلك الكتابات اسم 'اكتشافنا'، وكل ما فعلوه أنهم نسبوا الأبجدية إلى أصحابها الحقيقيين وهم أشقاؤهم الفينيقيون، وكل ما في الأمر أن' فيناق' نُطقت في لسانهم' فيناغ' وأنثوها فصارت تيفينغت ثم جمعوها فصارت تيفيناغ، فالكلمة إذا تتكون من (ت + فيناغ )، التاء هنا أداة التأنيث في البربرية، قد تأتي في أول الكلمة فقط مثلما هو الحال هنا، وقد تأتي مرتين في أول الكلمة وفي آخرها، كما هو الحال في تيفينغت مفرد تيفيناغ .

فَتيفينغت تعني الحرف الفينيقي (وهو مؤنث في البربرية )، وتيفيناغ تعني الحروف الفينيقية، حرفيا: تيفينغت = الفينيقية، تيفيناغ = الفينيقيات، ومن باب المصادفة غدت تيفيناغ بعد تحويرها تعني اكتشافنا في البربرية، وهكذا يتضح لنا أن تيفيناغ تتكون من مقطعين هما: ت + فيناغ، وليس من المقطعين تيفيت + ناغ، كما يدعي أصحاب النزعة البربرية، ولقد نطق البربر صوت القاف غينا ها هنا، وهذا ما جعل اسم هذه الكتابة البربرية تيفيناغ بدلا من تيفيناق، وهذا الإبدال الصوتي ما بين القاف والغين يحدث في اللغة بسهولة، وهو شائع جدا في اللغات العروبية، فمن الملاحظ أن قلب القاف غينا يحدث كثيرا عند السودانيين والكويتيين وعرب الأهواز، وعند أهلنا الريفيين الذين يقطنون جبال ظفار، وعند القبائل اليافعية (بنو مالك) بالجمهورية اليمنية، ومن أمثلة إبدال القاف في العربية غيناً في اللهجات البربرية هذه الكلمات: { القنو: الخَلْق، تاغنّاوت: الخلق ـ البيقرة: الغِنى، تاباغورت: الغِنى ـ الأنيق: الشيء الحسن المعجب، تيّنيغت: الشيء الفاخر الثمين ـ القريس: الجليد، أغريس: الجليد ـ الإقامة: الجلوس، تاغاموت: الجلوس ـ التقويز: كثرة النباتات والأعشاب، إغيز: السهل المعشوشب ـ الورق: الذهب، أوريغ: الذهب}، وعلى العموم إن الإيحاء بأن تيفيناغ ( التي تعني اكتشافنا في اللسان البربري ) تدل على أن قدماء الأمازيغ هم مخترعو هذه الأبجدية، هو إيحاء غير موفق على الإطلاق لأن تيفيت في اللهجات الأمازيغية تعني الاكتشاف، العثور على... ولا تحمل من بعيد أو قريب مدلول الاختراع والخلق والصنع، وبتعبير آخر لا تعني إيجاد الشيء من عدم، وأمّا ما يدل على الاختراع فله لفظ آخر بمرادفات عدة، كلها ذات مدلول واحد وهو إيجاد الشيء من عدم، وليس العثور على الشيء الموجود أصلا، وشتان ما بين الخالق والمخلوق، وما بين الصانع والمصنوع، وما بين أن توجد الشيء من عدم، وبين أن يوجده غيرك ثم تعثر عليه أنت.

ففي البربرية يأتي الفعل إكلز (الزاي تنطق نطقا مفخما) بمعنى اخترع الشيء، المصدر منه: أكالاز، إذن المفروض أن يكون اسم الأبجدية أكالازناغ = اختراعنا بدلا عن تيفناغ = اكتشافنا، كي نقتنع بأنها إبداع أمازيغي بحت، ويأتي في البربرية الفعل إسنّفلو بمعنى اخترع الشيء، ابتدعه، إذن المفروض مثلا أن يكون اسم الأبجدية أسنّفلولوناغ = اختراعنا، بدلا عن تيفيناغ = اكتشافنا ويأتي فعل إسماتّي بمعنى اخترع الشيء، إذن المفروض أن يكون اسم الأبجدية مثلا تاسماتاّناغ = اختراعنا، بدلا عن تيفيناغ = اكتشافنا ويأتي الفعل إغنا + إسّغنا بمعنى خلقَ، أوجد وأبدع من عدم، اخترع الشيء، إذن المفروض أن يكون اسم الأبجدية مثلا هو تاغناوناغ = اختراعنا، بدلا من تيفيناغ = اكتشافنا، ويأتي الفعلان إسويلا + إسّيلا بمعنى أوجد الشيء من عدم، اخترع الشيء، إذن المفروض مثلا أن يكون اسم الأبجدية هو أسْويلّيناغ، أو أسيليناغ = اختراعنا، بدلا من تيفيناغ = اكتشافنا، وبرغم كل هذي الأسماء التي تحمل معنى الاختراع والابتداع لم يأت اسم الأبجدية إلا بمعنى العثور على الشيء. وهكذا نرى بأننا إذا أسلمنا بأن تيفيناغ حرفيا لا تعني الفينيقيات وإنما تعني اكتشافنا فإن ذلك ليس دليلا على أنها من إبداع الأمازيغيين، بل دليل على عكس ذلك، حيث أن الاكتشاف معناه العثور على شيء موجود أصلا، فأولئك العلماء الذين عثروا على كواكب جديدة ونباتات نادرة، وأولئك المغامرون الذين جابوا الأفاق وركبوا البحار قديما ليجدوا أراضٍ جديدة، يُطلق عليهم وصف المستكشفين لا المخترعين؟ وفي هذه الحالة نريد من هؤلاء البربريست أن يجيبوننا على السؤال الآتي: من هو الشعب الذي اخترع هذه الأبجدية وأخذها البربر القدامى عنهم؟ أمَّا الأستاذ محمد شفيق فيقول في كُتيبّه {لمحة عن (الصواب: لمحة إلى) ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الأمازيغيين}: ' .... تسمى هذه الحروف تيفيناغ، ولقد أوّلت هذه التسمية تأويلات مختلفة، أسرعها إلى الذهن هو أن الكلمة مشتقة من 'فينيق، فينيقيا' وما إلى ذلك. قد يطابق ذلك أصل هذه التسمية، ولكن المحقق هو أن الكتابة الأمازيغية غير منقولة عنها، بل رجح الاعتقاد بأنها والفينيقية تنتميان إلى نماذج جد قديمة لها علاقة بالحروف التي اكتشفت في جنوبي الجزيرة العربية '.

الأستاذ شفيق لا يريد أن يقول بعروبة الكتابة البربرية وهذا شأنه، لكن أنْ يقول: ( ... المحقٌّق هو أنَّ الكتابة الأمازيغية غير منقولة عنها)، فكيف 'تحقق' من ذلك؟ ولماذا لا يذكر الحقائق العلمية والأدلة المنطقية التي جعلته يجزم ذلك الجزمَ القاطع بأن التيفيناغ ليست منقولة عن الفينيقية؟ ونحن قد نلتمس له العذر في ذلك، لمعرفتنا بأنه لم يترك شاردة ولا واردة قد ترفع من قدر قومه الأمازيغ إلا وذكرها مهللا لها، فما بالكم بأبجدية؟ فليس من السهل على الرجل أن يضحى بأبجدية فيوافق على نسبتها إلى آخرين وهو القائل بافتخار بأن القارة السمراء لم يظهر بها سوى أبجدتين اثنتين هما الأبجدية الأمازيغية والأبجدية الأثيوبية، ولكنه يبدو غير مقتنع بحكاية 'اكتشافنا' فلم يشر إلى ذلك في كتيبه هذا، ولا في معجمه الشهير المعجم العربي الأمازيغي، فقد جاء في الجزء الأول منه في الصفحة 135: 'الأبجدية، حروف الهجاء = تيفيناغ، وهي حروف الهجاء الأمازيغية القديمة التي لا تزال مستعمله عند الطوارق'، وفي الصفحة 261 جاء:' حرف الكتابة الأمازيغية القديمة خاصة 'تافينيغت، جمعها تيفيناغ '، فلا إشارة هنا أو هناك إلى أن 'تيفيناغ' تعني 'اكتشافنا'، بل إنه في معجمه ينسف فكرة أن تكون تيفيناغ تعني اكتشافنا، حيث قال أنها صيغة جمع مؤنثة ولها مفرد من لفظها، لكن قد يتذاكى أحدهم ويقول بالإمكان في اللغة العربية استخراج صيغة مفرد من 'اكتشافنا' وهو 'اكتشافي'، ونحن من جانبنا وبشيء من التجاوز سنقبل بهذا وسنطبقه على البربرية، (اكتشافي) تتكون من الاسم 'اكتشاف' زائد 'ياء المتكلم المضاف إليه'، وعلى هذا الأساس يجب أن يكون مفرد تيفيناغ التي تعني اكتشافنا هو (تيفيت ينو) و(تيفيت نو)، اللتان تعنيان (اكتشافي)، وليس (تيفينغت) كما جاء في المعجم، لأن (ينو+ نو) في البربرية هما ياء المتكلم المضاف إليه.

في الثمانيات من القرن المنصرم نظمت الجماهيرية الليبية معرضا في اليونسكو، وكان من ضمن المعروضات نماذج من الكتابة البربرية، وصادف أن شاهدها سفير اليمن لدى اليونسكو، فغضب واحتج قائلا بأن ليبيا تسرق تراثهم اليمني وتنسبه لنفسها، فاضطر بعض الليبيين أن يذهبوا إليه حتى يزيلوا اللبس الذي وقع، وقالوا للسفير ان الكتابة الليبية القديمة قدمت أصلا من جزيرة العرب، فمن الطبيعي أن تتشابه وتتطابق كلا الكتابتين، اعتذر الرجل لما بدر منه، وأضاف بأنه كان يسمع موسيقى من المغرب العربي تشبه إلى حد كبير جانب من الموسيقى اليمنية التراثية، فسأل عن تلك الموسيقى فقيل له أنها بربرية.

ولنستمع الآن إلى أقوال العلماء في هذا الشأن: يقول العالم الفرنسي هاليفي المتخصص في النقوش المغربية: ' ان الكتابة الليبية مستعارة من الفينيقية، فالأشكال الليبية احتفظت بقرابة مدهشة مع النماذج الأصلية الفينيقية'. أما المستعرب الألماني ليتمان إينو المتخصص في الكتابات والنقوش يعد الكتابة البربرية كتابة من كتابات صحراء شبه الجزيرة العربية، فيقول من ضمن ما قاله: '... إني وخلال أبحاثي حول الأبجديات لشمال الجزيرة العربية، وحول الرسوم التي تنحدر منها، توصلت إلى نتيجة مفادها أن الأبجدية الليبية تنتسب من قريب إلى الصفائية والثمودية، يعني أن الأبجدية قد جاء بها العرب إلى أفريقيا '. أما الباحث الإنجليزي بات فقد توصل في كتابه الليبيون الشرقيون إلى أن أصل أبجدية الطوارق فينيقي.

ولنستمع أيضا إلى شاهدين من أهلها شهدا وأكدا ما نرمى إليه، يقول اللغوي المتخصص في اللهجات البربرية سالم شاكر: 'تيفيناغ كانت تعني في الأصل الفينيقية/ البونيقية'، ويحكي الشاعر الأردني أمجد ناصر أنه دُعي ذات مرة إلى مهرجان شعري في فرنسا وكان من ضمن الشعراء شاعر بربري من الطوارق فشاهد لديه أشكالا لأحرف التيفيناغ، وعندما سأله عن كنهها، أجاب الطارقي بأنها فينيقية.
إن الشهادتين هاتين ليستا كأي شهادة أخرى، فالشاهد الأول باحث جزائري من التيار البربري الرافض لفكرة عروبة الأمازيغ، بل وصل به الأمر إلى تجنب الاقتراب من اللغة العربيةـ شقيقة البربريةـ في مقارناته اللغوية، في حين أنه قارن البربرية باللغات الأخرى البعيدة عنها، والشاهد الآخر طارقي لا يستطيع أحد أن يزايد عليه في أمازيغيته، ولا فيما يخص أبجدية التيفيناغ، فالطوارق هم الوحيدون الذين بقوا يكتبون بها دون بقية البربر وإن كان استعمالهم لها للمراسلات وفي مجالات أخرى ضيقة ونادرة، وذلك بوقت طويل قبل أن يتفطن التيار البربري إلى إحياء تلك الكتابة الميتة وإطلاق القوافل التي تروج لها.

وبالعودة إلى المحاضرة كان آخر متداخل هو الدكتور محمد علي عيسى أستاذ التاريخ القديم بجامعة الفاتح ورئيس قسم الآثار بأكاديمية الدراسات العليا (وهو بالمناسبة بربري)، نهض الدكتور من على كرسيه واعتلى المنصة ثم قال: فليسمح لي الأستاذ العرباوي بأن أدلي ببعض الإيضاحات، فقد ذكر في محاضرته بأن أربعة عشر حرفا ظفاريا تشبه أربعة عشر حرفا تيفيناغيا، هذه المعلومة ليست دقيقة فلقد زرت سلطنة عمان وذهبت إلى إقليم ظفار، وشاهدت بنفسي تلك الحروف التي وجدت أنها تتطابق وحروف التيفيناغ وليس تشبه، وعدد تلك الحروف المتطابقة ثلاثون حرفا وليس أربعة عشر حرفا، ولكم أن تتخيلوا معنى هذا، عندما تعلموا أن عدد حروف أبجدية التيفيناغ هو ثلاثة وثلاثون حرفا.

فجَّر الدكتور محمد علي عيسى قنبلة بتلك المعلومة التي أدهشت الجميع فخلّفت لغطا وهمهمات ووشوشات على طول القاعة. وبما أنَّ حظنا السيئ جعل جهاز العرض يعطل قبل المحاضرة بقليل، مما حرمنا من الاستفادة البصرية ومن متعة المقارنات في الأشكال والحروف والنقوش، فسوف لن نحرمكم أيها القراء الأعزاء مما حرمنا منه، فإليكم جدولا للمقارنة ما بين الحرف الظفاري والحرف التيفيناغي وضعه بنفسه


مكتشف الحروف الظفارية الأستاذ علي أحمد الشحري:
لم تقتصر الآراء حول التيفيناغ على كونها فينيقية أم بربرية؟ بل هناك من قال بأنها تعني الحروف المنزلة من السماء، وهو قول سخيف لا يقلُّ عنه سخافة محاولة ربطها بالأبجديات الأوروبية، ولا بأس بشأن محاولة الربط هذه أن نذكر واقعة طريفة يرويها لنا بطلها الناقد الفلسطيني عز الدين المناصرة فيقول: 'في الفترة تشرين الأول (اكتوبر) 1987ـ تموز (يوليو) 1991 عندما كنت اعمل أستاذا في (جامعة تلمسان ـ معهد الثقافات الشعبية لطلبة الماجستير). آنذاك كان أستاذ اللغة الأمازيغية، يحضر أسبوعيا بالطائرة من الجزائر العاصمة ليقي محاضراته على الطلبة. وبما أنني (كنت 'الأجنبي' الوحيد) فقد استدعاني المدير (العميد)، وطلب مني أن يبقى أمر أستاذ الأمازيغية (سرا من أسرار الجامعة).

كان هذا عام 1989، وعندما أصبح الأمر علنيا عام 1991. استدعاني العميد ليستشيرني في مشكلة واجهته مع بعض الطلبة البربر. بناءً على طلب من وزير التعليم العالي ـ كما قال ـ الذي طلب منه استشارتي في المشكلة، وهي : هل يكتب الطلبة أطروحاتهم للماجستير بالعربية أم الفرنسية أم الأمازيغية؟ فغضبت وقلت له: طبعا بالعربية، لأنها اللغة التي توحّد الوطن الجزائري. لكنني دافعت عن حق الطلبة في اختيار موضوعاتهم، في مجال الثقافة الشعبية البربرية، بل يجب تشجيعهم على ذلك إذا رغبوا، وهذا لم يكن يعجب بعض زملائي من الأساتذة الجزائريين. وبالفعل التزم العميد والمجلس العلمي بوجهة نظري، لكن العميد استدعاني ذات مرة 1990/1/14 ليطلب مني إدارة ندوة ثقافية لرئيس جمعية ثقافية في وهران تدافع عن اللغة الأمازيغية. شرح المحاضر الجوانب التاريخية ثم بدأ برسم الحروف الأمازيغية على اللوح أمام الطلبة، ثم بدأ يقارنها بالحروف اللاتينية. وكان كلما رسم حرفا، يكرر الجملة التالية (إذا عوجنا هذا الحرف الأمازيغي عوجة أولى ثم عوجناه مرة ثانية وثالثة فقط، فإنه يتطابق تماما مع الحرف اللاتيني). وحين فتح باب الحوار. لم يجرؤ الطلبة على مناقشته إلا في الأمور التاريخية، لذا اضطررت لمناقشة المحاضر، فقمت برسم (الحروف الكنعانية القرطاجية) ثم (الحروف اليمنية الجعزية) على اللوح وبدأت بمقارنتها مع الحروف الأمازيغية وكنت أكرر لدى مقارنة الحروف. الجملة التالية: لو عوجنا هذا الحرف الأمازيغي رُبع عوجة فقط فإنه يتطابق تماما مع (الحرف الكنعاني والحرف اليمني الجعزي)، فضحك الطلبة وصفقوا لي فشعر الرجل بالحرج، لذا قال للعميد عندما تناول معه العشاء (هل هذا الأستاذ الأجنبي بعثي أم إسلامي؟).

فضحك العميد وقال له: إنه عكس كل تصوراتك. أخبرني العميد بذلك لاحقا وهو يضحك'.
ويتخبط ذوو النزعة البربرية تخبطا يثير الشفقة، ويثير الضحك أحيانا أخرى، ففي العام الماضي 2007م، صدر عن دار الخلدونية بالجزائر كتاب لواحد منهم بعنوان: التعريف بالأمازيغ وأصولهم، جاء فيه: 'وبالرجوع إلى صورة لسفينة فضائية لسكان الكواكب الأخرى التي أخذها الشرطي زامورا بالمكسيك الجديد بأمريكا خلال سنة 1964م يظهر على بابها وجود كتابة تشبه خط التيفيناغ الأمازيغي وعلى الخصوص حروف ثلاثة وهي: (الميم، اللام، النون)، وهذا يدعونا إلى التفكير في اعتبار اللغة الأمازيغة لغة موغلة في القدم، وأنها نشأت قبل ميلاد المسيح بآلاف السنين، ولعل الأمازيغ ينحدرون من سكان الكواكب الأخرى والذين ليسوا من سلالة آدم'.

وتسعى الحركة الأمازيغة إلى جعل أبجدية التيفيناغ شيء مقدس لا يجوز التشكيك فيه ولا المساس به، فعندهم يجب أن تظل تيفيناغ تعني اكتشافنا ويجب أن يرسخ في الوجدان العام بأنها أبجدية ابتدعتها العقلية الأمازيغية منذ سالف العصور ولم تأخذها من أحد، وتمارس هذه الحركة الإرهاب الفكري لتحقيق ذلك، فعندما أشار الصحافي الكبير مصطفى العلوي في جريدة الأسبوع الصحفي التي يرأس تحريرها إلى أن حرف التيفيناغ مأخوذ من الحرف الفينيقي، هوجم هجوما وصل إلى حد السب والقذف. لقد قرأت مقال الأستاذ العلوي الذي أثار حفيظتهم على ذلك النحو، وفوجئت أن موضوعه لم يكن عن الكتابة البربرية وأنّ لفظ 'فينيق' الذي أخرجهم عن طورهم لم يرد سوى مرتين في المقال كله، مرة في العنوان: (أيها الفينيقيون الجدد أتركوا الفتنة نائمة) والمرة الأخرى في جملة وردت بالمقال ننقلها بالحرف : 'أليس واضحا للعين وضوح الشمس فشل هذا الأمر الواقع الذي يسمونه الحرف الأمازيغي تيفيناغ المنقول من الفينيقية'.

بقى أن نوضح بأن إصرار البربريست على إشاعة هذه المغالطة المكشوفة ليس فقط بسبب رغبتهم الجامحة في تمزيغ كل أثر لديهم وتمجيده، وليس فقط من أجل صرف الأذهان عن ما قاله العلماء والباحثين منذ زمن بأن التيفيناغ أصلها فينيقي، بل يوجد سبب ثالث لذلك الإصرار على إشاعة وهم 'اكتشافنا'، سبب غفل عنه الكثير منا، ألا وهو خوفهم من أن يؤدي إثبات فينيقية هذه الأبجدية إلى تساؤل الناس عن سبب انصراف التيار ذو النزعة البربرية عن الكتابة بحرف الجزم (الحرف العربي) القادم من المشرق العربي واستبداله بحرف آخر قادم هو أيضا من المشرق. لماذا يفعل أبناء الحركة الأمازيغية ذلك؟ لماذا يتركون الكتابة بالحرف العربي الذي يسمونه الآرامي (نسبة إلى العرب الآراميين) ويستعيضون عنه بالحرف التيفيناغي الذي نسميه الفينيقي (نسبة إلى العرب الفينيقيين)؟ نعم، ستعرِّيهم هذه الحقيقة بلا شك، فسيعرف الناس أن سبب عزوف هؤلاء المتعصبين عن كتابة البربرية بالحرف العربي هو كراهيتهم لكل ما هو عربي جاء مع الفتح الإسلامي لشمال أفريقيا، فإذا كانت القضية حقا هو رفض كل ما ليس أمازيغياً، فليتم ــ إلى جانب رفض الحرف العربي والحرف اللاتيني ــ رفض الحرف التيفيناغي لأنه ليس أمازيغيا أيضا، وليفعل هؤلاء ما لم يفعله أجدادهم، وهو اختراع أبجدية لهم تحل محل الثلاث 'الأجنبيات': (العربية واللاتينية والتيفيناغ)، أما إذا رأوا أنه من الأفضل الأخذ بأبجدية جاهزة تغنيهم عن مشقة الابتكار وتعميمه، وفوق كل هذا وذاك تغنيهم عن محاولات إقناع الناس به وعلى رأسهم جماهير البربر أنفسهم. أقول إذا ما رأوا هذا الرأي، فالأنسب لهم اختيار الحرف العربي في كتابة اللهجات البربرية كما يرى الأستاذ محمد شفيق وغيره من العرب الأمازيغ، ناهيك عن أن الحرف العربي قد كتب به أجدادنا من البربر وأبدعوا. وهو الحرف الذي انتشر منذ أربعة عشر قرنا في أقطار المغرب العربي كافة وتقبله الناس وكتبوا به منذ ذلك الزمن وما زالوا. وبخصوص ما يشيعه البربريزم من أن الحروف العربية لا تناسب اللسان البربري لأن به أصواتا لا توجد في العربية، في حين أن حروف التيفيناغ تمثّل جميع أصوات البربرية لذا هي الأصلح دون غيرها لكتابة الأمازيغية، هو قول مردود عليه، لأننا نعرف أن التيفيناغ أدخلت عليها تحويرات لتوافق اللسان البربري وما حدث مع التيفيناغ بالإمكان عمله مع حروف الجزم بكل يسر، فالقاف المعقودة لا يوجد لها رسم في الأبجدية العربية ولكنها رُسمت في المغرب الأقصى على شكل كاف عليها ثلاث نقط ورسمت الكاف اللينة كافا عليها نقطتان والزاي المُفخّمة رسمت زايا يعلوها قوس صغير، فالمسألة لا تعقيد بها، كل ما نحتاجه هو الاتفاق على شكل معين وتعميمه وإدخاله الحاسوب، ولنا مثال حي هو المعجم العربي الأمازيغي الذي ازدانت به المكتبة العربية الأمازيغية، ذلك العمل العظيم وُضِعَ بالحرف العربي دون غيره.

في العاصمة العمانية مسقط تعرفت على جزائري لديه ثلاث شهادات دكتوراه في علم الاجتماع وعلم السكان وعلم النفس، ولقد أخبرني بأنه كان عضوا في الأكاديمية البربرية بفرنسا وواحدا من تلك المجموعة المغاربية التي تعمل فيها ومن خلالها، وذكر أنه قد تركهم وترك الأكاديمية، عندما سألته عن السبب، أجاب بأن أهدافهم غير واضحة. ثم دار بيننا حديث طويل تواصلت فيه النقاشات حتى وصلنا إلى الحروف الفينيقية (التيفيناغ)، فأخذت ورقة ودونت بها بعض الأحرف الظفارية ورسمت معها شكلا اخترعته ساعتها ثم أعطيته الورقة متسائلا عن ماهيتها فأجاب : هذه أحرف من التيفيناغ ما عدا هذا الحرف (مشيرا بالطبع إلى الشكل الذي ابتدعته)، قلت له: يا دكتور هذه حروفنا نحن عرب ظفار ما عدا الذي أشرت إليه فقد اخترعته حالا، قال: هذا جائز، ثم واصلت كلامي موضحاً له القرائن والأدلة التي توضح عروبة البربر وأنهم من جنوب جزيرة العرب، مُقتطفاً أمثلة من اللهجات الظفارية العشر... قاطعني مُحتدّا وهو يقول: إن جنوب شبه الجزيرة العربية، أي ما يُعرف اليوم بسلطنة عمان والجمهورية اليمنية ليست بلادا عربية وأهلها ليسوا عربا...فقط المناطق الشمالية من جزيرة العرب هي العربية وسكانها هم العرب. (لا تعليق).


اللهم لا تجعلنا من الذين عمت قلوبهم، ولا من الذين تأخذهم العزة بالإثم، اللهم آمين.

* باحث في اللهجات الظفارية والأمازيغية
ظفار ـ سلطنة عُمان


 

Libyan Tmazight Congress

P.O.Box 174, Middlesex UB2 5QF, England

Tel: +44 7719729655

Libyan_tmazight_congress@yahoo.com

alt@alt-libya.org