|
حقوق الأقليات في الدول
13 أغسطس 2005م
زياد
عربية ابن علي
المصدر:
العربية نت
تمثل قضية الأقليات العرقية أو
التعددية الإثنية واحدة من أخطر القضايا أو الملفات التي تواجه الدول
التي تضم خليطاً سكانياً ذو تنوع لغوي و ثقافي و اجتماعي و ديني في
مناطق مختلفة من العالم ، و قد شهد العالم منذ سقوط الاتحاد السوفياتي
السابق نشوء دول عديدة ذات قومية بعضها كان محتلاً و بعضها الآخر كان
منضوياً تحت المظلة السوفياتية كالأذرية و الأرمنية و البافرية و
الكازخية و التركمانية و التشيكية و السلوفاكية و الصربية و الشيشانية
( تسعى هذه الأخيرة للاستقلال عن روسيا ) و غيرها ، و منطقتنا العربية
واحدة من هذه المناطق التي تشهد نزاعات ومطالبات بل وحتى تدخلات خارجية
داعمة لمطالب أقلية دون غيرها لأهداف هي في الغالب سياسية، و قد تجلت
صور التدخلات الأجنبية من قبل الولايات المتحدة و بعض دول الاتحاد
الأوروبي بالتحريض و الدعم المالي و السياسي و الإعلامي كدعم مطالب
الأكراد في العراق و تجاهل مطالب أكراد إيران و تركيا ، و تجاهل مطالب
الآشوريين و الكلدان و التركمان في العراق ، و دعم مطالب الأمازيغ في
الجزائر و تجاهل مطالب الأمازيغ في المغرب و ليبيا ، و في الوقت ذاته
نجد أن الولايات المتحدة و بعض دول الاتحاد الأوروبي تدعم أقليات دون
غيرها في السودان و مصر و لبنان وهو ما لا يتفق مع الإدعاء بدعمها لحق
الأقليات في ممارسة حقوقها الثقافية و السياسية و حق تقرير مصيرها ،و
كما هو معلوم أن الهدف من وراء هذه التدخلات المباشرة و غير المباشرة
هو زعزعة الاستقرار الداخلي للدول العربية،و تقسيم المنطقة إلى دويلات
صغيرة ذات قوميات مختلفة ، ففي العراق تروج الولايات المتحدة و بعض دول
الاتحاد الأوروبي لمشروع سايكس بيكو جديد يأخذ شكل حكم / نظام فدرالي
تمهيداً لبلورة مشروع يقسم العراق إلى دولة كردية في شمال العراق دولة
شيعية في جنوب العرق و دولة سنية في الوسط،و تقسيم السودان إلى شمال و
جنوب و ربما إلى غرب و شرق ، و توظيف هذا التقسيم لخدمة أغراضها و
مصالحها الحيوية و الإستراتيجية في المنطقة .
ومطالب الأقليات في
المنطقة العربية بالحقوق السياسية و الثقافية و الاجتماعية ليست حديثة
العهد ، و إنما هي قديمة ترجع إلى أربعينات و خمسينات القرن الماضي و
قد تنامت تدريجياً وسط أعمال قمع و تجاهل من قبل بعض الأنظمة العربية
التي كانت تخشى أن ترفع هذه الأقليات سقف مطالبها لحد المطالبة
بالانفصال و إنشاء كيان قومي مستقل عن جسم الدولة ، الأمر الذي يعني
تقسيم الدول العربية إلى دويلات صغيرة ضعيفة ، بدلاً من العمل على
التجاوب مع مطالب هذه الأقليات عن طريق التفاوض مع الأحزاب الممثلة لها
. و قراءة متأنية لمطالب الأقليات في الدول العربية في القرن الماضي لم
تكن تتعدى حق ممارسة المواطنة في الدول التي يعيشون فيها و هي مطالبات
سياسية و ثقافية و اجتماعية ، ففيما يتعلق بالحقوق السياسية اشتملت
مطالب الأقليات على حق ممارسة العمل السياسي من ترشح و انتخاب و تقلد
المناصب العليا في الدولة و المؤسسة العسكرية، و بالنسبة للمطالب
الثقافية فقد اشتملت على حق الأقليات التخاطب بلغتها القومية و حق
التكلم بها و نشر التراث الثقافي و الحضاري لهذه الأقلية أو تلك
مطبوعاً أو مرئياً أو مسموعاً و حق تدريسها في مدارس ينشؤونها للحفاظ
على هذه اللغة من الزوال و الاندثار نتيجة لعدم تدريسها أو التخاطب بها
و من ثم تطويرها لتستوعب المصطلحات العلمية و الأدبية و اللغوية
الحديثة ، أما المطالبات بالحقوق الاجتماعية فقد اشتملت على المطالبة
بزيادة الإنفاق على قطاع التعليم كإنشاء الأبنية المدرسية بمختلف
مراحلها و تخصصاتها و توفير المدرسين و المستلزمات التعليمية ، و زيادة
الإنفاق على قطاع الصحة كإنشاء المستشفيات و المراكز الصحية و توفير
الأطباء و الممرضات و المستلزمات من أدوات و أجهزة مختلفة ، بالإضافة
إلى الاهتمام بمناطق سكن الأقليات من حيث تقديم الخدمات كالنظافة ومد
الطرقات و توفير الماء النظيف الصالح للشرب و الكهرباء و الخدمة
الهاتفية و الاهتمام بالبيئة كالحد من التلوث و التشجير .....أي تحسين
نوعية الحياة وهو ما تفتقره في الغالب مناطق سكنى الأقليات و الفقراء
بشكل عام.
هذه المطالب تم
التعامل مع بعضها ، و جرى تجاهل قسم كبير منها خاصةً فيما يتعلق ببعض
الحقوق السياسية و الثقافية في بعض الدول العربية ، الأمر الذي دفع
بهذه الأقليات في تسعينيات القرن الماضي و مطلع القرن الحالي مستفيدةً
من المتغيرات في البيئة السياسية الدولية ( بعد أحداث الحادي عشر من
أيلول و احتلال أفغانستان و العراق و الضغط السياسي و الاقتصادي
المفروض على بعض دول المنطقة ) إلى رفع سقف مطالبها السياسية و
الثقافية إلى حدود كانت من المحرمات في العقود الأربعة الماضية ،
بدايةً طالبت الأقليات ذات التفوق العددي بالمقارنة مع غيرها من
الأقليات أو القوميات باعتماد لغتها القومية لغة ثانية في الدولة ،
تطور الأمر بفعل الدعم و التدخل الخارجي إلى المطالبة بمنح حكم ذاتي في
أماكن إقامتها و تواجدها ، تطور الأمر إلى المطالبة بالانفصال و حق
إقامة الدولة القومية ، الأمر الذي أدى إلى تعثر الوصول إلى حلول تحظى
برضا الأقليات المختلفة خاصةً و أن مناطق سكنى الأقليات ليست خالصة
لأقلية دون غيرها و إنما يوجد في المنطقة الواحدة أكثر من أقلية ، ففي
العراق يستوطن أو يقطن في شماله الأكراد ( 5 مليون ) و الآشوريين و
الكلدانيين ( 2 مليون ) و التركمان ( 3 مليون ) و عرب ( 2 مليون ) و
أقلية أخرى بمئات الألوف و الصراع القائم الآن على مدينة كركوك ( مدينة
آشورية و ليست كردية كانت تسمى أرابخاArabkha وهي من المدن الآشورية
الرئيسية بالإضافة إلى أربيل و نينوى و مدينة آشور ) 1 ومناطق أخرى خير
مثال على ذكرناه ، الأمر الذي سيؤدي إلى حدوث نزاعات بين الأقليات
المختلفة.
فلو افترضنا أن
أكراد العراق استطاعوا بفضل الظروف الدولية و المتغيرات التي يحسنوا
استغلالها الآن أكثر من أي وقت مضى بفعل التجاذبات و التناقضات و
الخلافات التي كانت قائمة بين الدول العربية و تركيا و إيران و بفضل
الاحتلال الأمريكي للعراق و التعاون الاستخباراتي و العسكري الذي قدموه
الأكراد للقوات الأمريكية و التسهيلات التي يقدمونها للاستخبارات
الإسرائيلية ( الموساد )
في شمال العراق، أن يقيموا دولة قومية كيف سيتعاملون مع هذه الأقليات
القومية وهم أي الأكراد أكثر الشعوب دفاعاً عن حقوق الإنسان و الأقليات
و أكثر الشعوب ديمقراطيةً كما يدعون ؟ هل سيمنحون هذه الأقليات حكماً
ذاتياً داخل كردستان العراق ؟ هل سيعترفون بلغة أكثر هذه الأقليات
عدداً لغة ثانية ؟ و هل سيعترف أكراد العراق بحق هذه الأقليات بحق
إقامة دولة قومية أسوةً بما حصل عليه أكراد العراق ؟ أم هل سيعترفون
بلغة القومية الأكثر عدداً لغة قومية ثانية ؟ هذه الأسئلة أسئلة مشروعة
و ينتظر الإجابة عليها أقليات العراق من آشوريين و عرب و تركمان و
كلدان و غيرهم خاصة و أن الأكراد هم شعوب هندو أوروبية هاجرت إلى هذه
المناطق بحثاً عن المراعي و ليسوا من السكان الأصليين لهذه المناطق كما
هو الحال بالنسبة للآشوريين و الكلدان و عدد من القبائل العربية كما
بينت الكشوفات الأثرية التي قامت بها بعثات تنقيب أثرية منذ القرن
التاسع عشر و استمرت إلى ما قبل سقوط نظام صدام حسين و هي بعثات
أوروبية و روسية و أمريكية، كما أن لغتهم هي ذات أصل فارسي و أن كل
عشيرة تتحدث بلهجة خاصة بها 2.
وفي سورية يقطن في
منطقة الجزيرة أقليات كردية هاجرت إلى سورية من العراق و تركيا في
أواخر القرن التاسع عشر و بعد الحرب العالمية الأولى و في الستينات و
السبعينيات ، و أقليات آشورية و كلدانية و سريانية يقدر عدد الأكراد
هناك بنحو مليون و الآشوريين و الكلدان و السريان بنحو 500 ألف أي ما
نسبته 50 بالمئة ، و لو افترضنا أنه تمت الموافقة على مطالب أكراد
سورية بالحكم الذاتي ، أو الانفصال كما يطالب بعض غلاة الأكراد
الانفصاليين ( مساحة كردستان سورية المزعومة يقدرها غلاة الأكراد -
الانفصاليون - بنحو 13 % من مساحة سورية )، كيف سيتعامل الأكراد مع هذه
الأقليات ؟ و إذا افترضنا أنها أقلية هل ستعترف بحقها بإقامة حكم ذاتي
لها في منطقة الجزيرة جنباً إلى جنب وهي مناطق متداخلة يسكنها الأكراد
والأشوريون و الكلدان و السريان ؟ هل سيعترف أكراد سورية باللغة
الآشورية و السريانية وهم السكان الأصليون لهذه المنطقة إلى جانب العرب
كلغة قومية ثانية و ثالثة و رابعة في مناطقهم المزعومة أم أنهم
سيضطهدون هذه الأقليات و يهجرونها كما حدث في مذابح الأرمن في أرمينيا
و السريان التي قام بها الأكراد في مدينة القامشلي ( الاسم الحقيقي
للقامشلي نصبين وهي مدينة سريانية تاريخية استولى عليها الأكراد وهجروا
أهلها بعد أعمال تذبيح و قتل ) ، كذلك الحال بالنسبة لتركيا و إيران و
أرمينيا و ربما مستقبلاً في لبنان و أفغانستان و روسيا، أم أن ما يحق
للأكراد لا يحق لغيرهم ؟ أسئلة برأينا مشروعة و تحتاج إلى إجابة متعقلة
لا إلى تشدد و تطرف
فمن غير المعقول أن تكون كل أرض تطأها قدم إنسان كردي أرض كردية و يروج
لها اصطلاحاً بأرض كردستان فالأكراد اليوم يهاجرون إلى دول أوروبية و
خاصةً إلى ألمانيا فهل يعقل أن يطلق الأكراد على مناطق تجمعهم و سكناهم
في ألمانيا على سبيل المثال كردستان ألمانيا و كردستان فرنسا و كردستان
هولندا ؟ أمر غير منطقي و غير مقبول .
إن حل
مشكلة الأقليات تبدأ و تنتهي عند الاستجابة لمطالبها العقلانية و
المنطقية فمن غير الجائز مثلاً الاعتراف بلغة أقلية دون غيرها لغة
ثانية فهذا الأمر يعني إقصاء للأقليات الأخرى و تجاهل حقها في التخاطب
بلغتها و نشر تراثها الحضاري و الإنساني بلغتها في حين أن الاعتراف
بلغات الأقليات المختلفة المتواجدة في منطقة أو دولة ما كلغة ثانية مع
الاعتراف بحقها بالتخاطب بلغتها و تدوين و نشر تراثها يساوي بين
الأقليات المختلفة و لا يعطي ميزة لأقلية دون غيرها ميزات و مكتسبات
بسبب تفوقها العددي ، خاصةً و أن بعض الأقليات تعتبر من السكان
الأصليين لمنطقة ما وهي أقل عدداً من أقلية أخرى هاجرت عبر فترات زمنية
مختلفة و بأعداد كبيرة إلى تلك المنطقة ، أيضاً لا بد من إفساح المجال
لهذه الأقليات للمشاركة في إدارة أمور الدولة و الترقي بالمناصب
الإدارية و الحكومية و العسكرية، كذلك لابد من العمل على تنمية مناطق
سكنى الأقليات من جهة إنشاء المدارس و المعاهد و الجامعات و المستشفيات
و المراكز الصحية ومراكز العبادة و توفير الكهرباء و المياه الصالحة
للشرب و شبكات الصرف الصحي و مد الطرقات المعبدة و سكك الحديد و شبكات
الهاتف و إقامة المنشآت الصناعية و التجارية و السياحية لتوفير فرص
العمل و الحد من انتشار الفقر و الاهتمام بالبيئة ، وبذلك تكون
المساواة بين الأقليات في أية دولة هو بمثابة تجسيد للتآخي و التآزر و
التماسك الاجتماعي .
الهوامش
1 – هاري ساغز ، عظمة آشور ، ترجمة خالد أسعد عيسى و أحمد غسان سبانو ،
الدار السورية الجديدة ، دمشق ، الطبعة الأولى 2003 ، ص 8 -9 .
2 – ب . ليرخ ( مستشرق روسي )، دراسات حول الأكراد و أسلافهم الخالديين
الشماليين ، ترجمة عبدي حاجي، مكتبة خاني ، حلب ، الطبعة الأولى 1994 ،
ص 31.ا نظر أيضاً باسيلي نيكتين ، الكرد دراسة سوسيولوجية وتاريخية ،
ترجمة نوري طالباني ، دار الساقي ، بيروت ، الطبعة الثانية 2001 ، ص 50
|