|
من المستفيد من
مطالب سكان منطقة القبايل؟
09 يونيو
2008
د.عبد الرحمن مكاوي*
المصدر:
العرب اون لاين
بادئ ذي
بدء سأحاول تقديم معلومات أولية عن منطقة القبايل في الجزائر للقارئ
العربي الكريم تتضمن أهم المحطات التاريخية والسياسية لهذه الجهة التي
تتميز بخصوصياتها الذاتية وهويتها البربرية وطابعها الثقافي المميز.
منطقة القبايل هي منطقة جبلية تقع في شمال الجزائر وسكانها يطلقون
عليها "تامورين لقبايل" أي ارض القبائل، لها ساحل يمتد مئات
الكيلومترات على ساحل البحر الأبيض المتوسط. وقد تناولها عالم الاجتماع
العربي ابن خلدون في مذكراته عندما سماها بولاية بجاية أو فدرالية
القبائل "تماوي". وهنا ينبغي الفصل بين منطقة القبايل الكبرى والقبايل
الصغرى. الأولى عاصمتها تيزي اوزو، والثانية بجاية. أما سكانها فهم
يمثلون أكثر من 5 ملايين نسمة تقريبا، الغالبية منهم تقطن في الجزائر
العاصمة وفي الخارج "فرنسا- أوروبا- كندا...."، إنهم بربر الجزائر
ولغتهم هي التامزيغت.
أما ديانتهم، فهم مسلمون، ولكن نجد أقلية مسيحية "منهم وزير المالية
إسماعيل محروق في حكومة بومدين"، فالمنطقة عرفت الديانات الثلاثة التي
تفاعلت في مدن حوض البحر الأبيض المتوسط، فبعد الإغريق والرومان،
استقبلت منطقة القبائل الإسلام وأسلمت، حيث نشأت دولة الحماديين واتخذت
من بجاية عاصمة لها، أما الفاطميون فقد تحالفوا مع قبيلة كتامة
القبايلية، تحالف مكن الدولة الفاطمية في الاتساع شرقا حتى وصلت سوريا،
فتركوا حكم المغرب الأوسط للحماديين، الذين هم فرع من دولة الزيرين، ثم
تبعهم الموحدون والحفصيون إلى غير ذلك..... "عبد المومن ألموحدي أول
قائد مغربي وحد المغرب العربي".
وتتوالى الأحداث قبل وأثناء الاحتلال العثماني للجزائر، نشأت في منطقة
القبائل دولتان صغيرتان، سلطنة كوكو بزعامة احمد بالقاضي ومملكة ايت
عباس، وتمتعت كلتا الدولتين باستقلال ذاتي وإداري في علاقاتها بمحمية
الجزائر العثمانية "باي الجزائر".
أحدث دخول فرنسا سنة 1887 إلى منطقة القبايل تحولا كبيرا في جميع بنيات
النسيج الاجتماعي للمنطقة، مع أن ولوج الاستعمار كان قاسيا في تعامله
نظرا للثورات المتعددة التي قوبل بها "ثورة المقراني....."، إذ تعاملت
فرنسا مع هذه الثورات والانتفاضات بقمع شديد وتهجير وتشريد للكثير من
سكان القبايل "تهجير نحو كالدونيا الجديدة مثلا"، لقد خضع سكان القبايل
إلى عمليات إدماج قسرية "تغيير الأسماء العربية و تعميم الحالة المدنية
الفرنسية". وتمكن الفرنسيون من العمل على تحطيم وحدة سكان القبايل ولو
سطحيا إذ أصبحوا مولاة ومعارضة، فسياسة فرنسة كانت تستهدف كل جوانب
الحياة الإنسانية في منطقة القبايل وفي مقدمة ذلك العمل على طمس الهوية
الإسلامية لهذه المنطقة. وكانت لهذه السياسة نتائج سيئة وسلبية على
الإنسان القبايلي أثناء الاستعمار وبعد الاستقلال سنة 1962. ترافقت
لاحقا بعد الاستقلال مع سياسة جوبهت هي الأخرى بردود فعل متفاوتة بين
استقرار هش وتوتر عنيف، ردود فعل مست أسس الدولة الجزائرية الحديثة،
دولة قامت على مبادئ شرعية الثورة التي تنصهر داخلها كل الثقافات
والإثنيات والهويات واللغات.
لقد سعى
الاستعمار إلى فصل هذه الجهة وسكانها عن باقي مناطق الجزائر الأخرى تحت
شعار القبايل منطقة مختلفة عن الولايات الأخرى طبقا لمنهج فرق تسد.
إضافة إلى هذا شجعت فرنسا الكنيسة الكاثوليكية على إقامة عدة دور
للعبادة في المنطقة "الآباء البيض"، فنجحت في تمسيح بعض أهالي القرى
والأحياء والعروش، وأصبح تعليم اللغة الفرنسية تعليما إجباريا على جميع
فئات المجتمع القبايلي. في هذا السياق، لابد من الإشارة إلى الدور
السلبي للماسونية بكل فروعها في نشر العلمانية والإلحاد داخل هذه
المنطقة، فكان رد فعل أغلبية السكان هو مقاومة الغزاة وثقافاته
الاندماجية، خاصة وان المنطقة منطقة غابوية، جبلية، مليئة بالأحراش
والأودية، إن هذه التضاريس الطبيعية ساعدت على بروز حرب العصابات.
فجبهة التحرير الوطني انطلقت من جبال الأوراس، واغلب الثوار فيها سنة
1954"جنودا وقادة" كانوا من سكان القبايل "عبان رمضان، كريم بلقاسم،
حسين ايت احمد......". بعد استقلال الجزائر سنة 1962، ظهرت أصوات تنادي
بالمحافظة علىهوية شمال الجزائر "اللغة، الجغرافيا، العادات
والتقاليد"، نظرا لكونها كانت المحرك الرئيسي في النضال ضد الاستعمار،
فقوبل هذا الطلب بقمع كبير سنة 1963، سنة رفع فيها لأول مرة شعار "لا
للحزب الوحيد نعم للديمقراطية والمشاركة السياسية".
تطورت
هذه الأحداث إلى مجابهات دامية بين السلطة وأغلبية السكان "الحرب
الأهلية الأولى الجزائرية"، من هنا انطلقت الشرارة الأولى لفكرة الحكم
الذاتي لمنطقة القبايل عبر تظاهرات واعتصامات منظمة في جميع أنحاء
المنطقة، مطالبة بالاعتراف باللغة الأمازيغية والمشاركة في القرار
السياسي والاقتصادي للدولة الجزائرية الحديثة. وكانت أغلب الشعارات
التي يرفعها السكان تصب باتجاه المطالبة بالاعتراف للقبايل بهويتهم
ككيان مختلف عن باقي الولايات الأخرى. أمام هذه الثورات و الانتفاضات
الشعبية المتتالية التي كانت تحمل مشروعا سياسيا واقتصاديا وثقافيا،
قامت الدولة الجزائرية بالتعريب الفوري الإجباري لمناهج التعليم، تم
حاربت اللغة الأمازيغية بغية استئصالها من المجتمع، برنامج لعله يحد من
مطالب القبايل، سياسة مشددة تهدف إلى انصهار سكان القبايل في المجتمع
الجزائري عن طريق اللغة العربية وبالقوة، عملية رفضها السكان جملة
وتفصيلا "رفض طريقة تطبيق اللغة العربية وليس رفض اللغة العربية في حد
ذاتها".
امتدادا
لما سبق، شهدت المنطقة اضطرابات عنيفة أخرى دفعت الدولة إلى نشر الكثير
من ألوية الجيش والدرك لإخماد أي تحرك سياسي، وهكذا سكتت منطقة القبايل
مرغمة طيلة حكم الرئيس هواري بومدين رحمه الله، هذا التشدد في تدبير
ومعالجة هذه الإشكالية القبايلية، قطع كل سبل الحوار مع السلطة
المركزية في العاصمة الجزائر لمدة طويلة، ومع ذلك لم تخمد جذوة
المطالب، فقد كانت هذه المرة بشكل آخر تمثل ببروز حركة ثقافية مطالبة
بالحكم الذاتي "ماك" بزعامة المغني فرحات مهني وآخرون، فاستطاعت هذه
الحركة الديمقراطية الاجتماعية و الثقافية أن تجمع أنصارا عديدين في
بجاية وتيزي اوزو حتى أصبح لها ناطق رسمي وممثلون في كل المنطقة وفي
أوروبا كذلك.
إن حركة الحكم الذاتي القبايلية "ماك" طالبت بالاعتراف بالخصائص
الثقافية لسكان المنطقة وبالحرية وبالمساواة، فواجهتها الدولة بكل ما
تملك من أدوات عنف ودعاية قصد تخوين أعضاء هذه الحركة الثقافية
السلمية، باعتبار أن هذا الزعيم القبايلي، أي فرحات مهني هو لعبة في يد
الفرنسيين و"الامبريالية العالمية"، مع اعتبار "ماك" هي دمية تسعى إلى
تفكيك وحدة الجزائر في وقت كانت السياسة الرسمية الجزائرية تساند
العديد من الحركات القومية والانفصالية والإثنية في أوروبا وأفريقيا
وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا " ألباسك، الكورس، الصحراء، الجزر
الخالدات،....". انه تناقض مكشوف في أطار الممارسة السياسة الجزائرية
لم يعد خافيا على أحد.
بالموازاة مع حركة "ماك"، قامت تنسيقية العروش من اجل المواطنة وهو
تنظيم قبلي محافظ وجهوي بعيد عن الأحزاب السياسية الرسمية، حركة شعبية
تهدف باطنيا إلى الحكم الذاتي بالتدرج حسب ما جاء في قراراتها المتخذة
في مدينة لاربعا ناترثين، فحركة العروش استطاعت أن تتحول إلى تيار شعبي
واجتماعي واسع، إلا أنها لم تتمكن من بلوغ كل الأهداف التي ناضلت من
اجلها نتيجة قيامها بتوقيع اتفاقية هدنة مع النظام. فبقي القاسم
المشترك الوحيد بين الدولة والعروش هو إجهاض مشروع منظمة "ماك" التي
تدعو إلى الحكم الذاتي في القبايل وتحجيم وتقزيم الأحزاب السياسية
القبايلية الرسمية، فتنسيقية العروش أكدت في برامجها عن شكل معين لحكم
ذاتي يلتزم فيه القادة في الجزائر الاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة
وطنية رسمية وإخراج الجيش والدرك والاعتراف بالهوية الثقافية لهده
المنطقة المتوترة.
إلا
أن هذا الالتزام لم يطبق كاملا من طرف الدولة، حسب اعتراف منسق العروش
مؤخرا. فعوض تطبيق الديمقراطية التشاركية بين الدولة وتنسيقية العروش
أطلقت الطبقة الحاكمة في الجزائر اليد للإسلاميين المتطرفين: الجماعة
الإسلامية المسلحة والجماعة الإسلامية من اجل الدعوة والقتال والعصابات
المختلفة وتجار المخدرات بالاستيطان بحرية في المنطقة لمعاقبة أهلها
الذين نادوا باستقلال ذاتي محدود ومسؤول.
إن السياسة الرسمية الجزائرية المتبعة في منطقة القبايل تدخل ضمن إطار
عدم المساس بتركيبة الدولة الوطنية المهددة في وجودها بسبب التمايز في
النسيج الاجتماعي. إن التوتر المستمر في منطقة القبايل هو إشكال ينبغي
حله في إطار من الديمقراطية الحقيقية، أزمة لا علاقة لها بما يسمى
بالأمن القومي الجزائري ووحدة البلاد.
في هذا الباب تجدر الإشارة، أن اهتمام الغرب بالحركات الامازيغية في
الجزائر، يرجع إلى كون هذه الدول ترى في حركة مهني وتنسيقية العروش
فاعلين سياسيين مهمين يمكن أن يلعبان دورا أساسيا في مستقبل الجزائر في
ظل إستمرار تفاقم الأوضاع السياسية وترديها. فبعد سبع سنوات على اتفاق
العروش مع الدولة الجزائرية على أرضية مشتركة تحدد معالم مشروع ذاتي
للمنطقة بالرغم من عدم استعمال التسمية الصحيحة للاتفاق، لازالت
القبايل تعيش وضعية مأساوية من جراء انتشار "الإرهاب، العنف، المخدرات،
الاختطافات والبغاء"، حالة دفعت العديد من السكان إلى الهجرة الداخلية
والخارجية.
إن سياسة القمع والحكرة كسلوك ومنهج في تدبير شؤون القبايل، هي عوامل
محركة للنزاعات الداخلية القائمة حاليا والقادمة مستقبلا إذا لم تستجب
الدولة بنية حسنة وفي أسرع وقت للمطالب الثقافية المشروعة للسكان، حتى
الأحزاب الرسمية لم يعد لها إلا وجود ضعيف وتأطير نسبي في الجهة، لكون
هذه التنظيمات السياسية تعارض السياسة الفردية وغير الديمقراطية للطبقة
الحاكمة في الجزائر. إنها بعض الحقائق التي عملت على طمسها بعض الأجنحة
المدنية والعسكرية المتصارعة والمتنافسة على الخلافة في العاصمة
الجزائرية، بغية تركيع أهل القبايل وإجهاض محاولاتهم في إنجاح مشروع
حركة القبايل من اجل حكم ذاتي "ماك" وتنظيم العروش المحافظ في تجسيد
مطالبه، فكلتا الحركتين طالبتا بإخراج كل رموز الدولة الجزائرية من
المنطقة و تحويل كل وظائف السلطة إلى جمعيات العروش "برلمان محلي".
إن نظام الحكم الذاتي يخيف أكثر من دولة عربية، رغم كونه نظام مطبق في
العديد من الدول الأوروبية الغنية وحتى الإفريقية والأسيوية. انه حكم
لا مركزي واسع يسمح للديمقراطية التمثيلية في أن تؤدي دورها في عملية
المشاركة في تدبير شؤون البلاد.
* أستاذ العلاقات الدولية في جامعة الحسن الثاني
|