|
الهوية الليبية في
مواجهة التحديات
د محمود احمد الديك
مركز
جهاد الليبيين للدراسات التاريخية
06 ابريل
2008
في هذه الورقة لن ندخل في جدال حول ماهية ومكونات الهوية الليبية بقدر
ما يهمني على المستوى الشخصي التركيز على التحديات التي واجهت الهوية
الليبية في مرحلة السيطرة العثمانية التركية وخلال المرحلة الاستعمارية
المباشرة منذ الاحتلال الإيطالي وحتى سنة 1970 الذي يصادف إجلاء
الجالية الإيطالية من ليبيا. وقد يبدو للوهلة الأولى أن الفترة التي
سنتناولها تتعدى الخمس قرون، وكما هو معلوم أن مثل هذه المواضيع تطرح
أفكار عامة يمكن تطويرها في دراسات علمية أكاديمية.
طرحت قضية الهوية على السنة الكثير منذ مطلع الستينات من القرن الماضي
أي مع مرحلة الاستقلال التي شهدتها المنطقة العربية. وهي مصطلح غربي لم
تعرفه المنطقة إلا حديثاً. وهذا الموضوع يمثل حجر الزاوية في كل
الاجتهادات والتصورات التي تناولته على المستوى الفكري عبر التاريخ.
وبنظرة سريعة للفتوحات العربية الإسلامية نجد أن الاندماج الحضاري
والتفاعل الثقافي الاجتماعي والتعايش بين الجماعات البشرية لم يتطرح
هذه المسألة. وإذا كانت المنطقة قد اصطبغت بالثقافة العربية الإسلامية
لم تلغ بقية الخصوصيات الثقافية المحلية، بينما نجد هذا الموضوع يثار
في أوربا وفي أمريكيا ويوظف وفق اجندة سياسية للتدخل في دول العالم
الثالث لتدعيم نفوذهم ومصالحهم. وقد تعرض الهوية لإمتحان صعب قد تفقد
وجودها أو تضعف أو تنصهر مع ثقافة أخرى أقوى .ومن أهم الدروس المستفادة
من التاريخ أنه يمكن للمحتل القوي أن يحقق انتصاراً عسكرياً على أي بلد
صغير، وقد يستنزف ثرواته المادية وقد تطول أو تقصر فترة السيطرة
والهيمنة عليه، ولكن من الصعب بل ومن المستحيل أن يفقد المستعمر (بفتح
العين) هويته وثقافته بالمطلق إذا لم تمت جذوة المقاومة من خلال التمسك
بالثوابت الثقافية مهما طال أمد وقسوة المحتل.
إن المجتمع الليبي الذي تواجد منذ ألاف السنين على مساحة جغرافية متسعة
الإرجاء وذات التنوع المناخي، وحدته المصلحة المشتركة والتعاون بين
أفراده مستشعراً أهمية التكامل بين سكان القرى والأرياف والواحات
والمدن، وتعايش المجتمع الليبي مع الجماعات الوافدة منذ العصور السالفة
التي نعمت بالأمان والسلام وكونت حضارة نشهد أثارها حتى اليوم، وحين
جاء الإسلام في القرن السادس عشر الميلادي، انصهر المجتمع بصورة كاملة
في بوتقة وحضارة وثقافة جديدة، تعمقت فيه روح الأخوة وتأصلت فيه
الرابطة الاجتماعية عمادها اللغة العربية والدين الإسلامي.
وليبيا كغيرها من البلدان الفقيرة والتي لا تملك الحصون أو القلاع أو
العوائق الطبيعة قاومت الطامعين والمغامرين بكل ما تملك. وبمجرد أن
تأتي ساعة الخلاص ويستعيد الناس فيها عافيتهم من الغرباء أو الدخلاء
تتقوى فيهم الشخصية والهوية في بعدها الاجتماعي الثقافي التي كانت قد
عطلت أو استهدفت للمسخ في مرحلة من الزمن. ومن طبيعة المجتمع الليبي
خلال أغلب المراحل التاريخية أنه لم يكن منغلقاً على نفسه أو معزولاً
عن التيارات الثقافية الوافدة، بل كان الليبيون نسبياً في تواصل مستمر
مع الضفة الشمالية ودول الجوار وتعايشوا مع الجاليات الأجنبية الوافدة
لليبيا، تنوعت فيه العادات والتقاليد واللباس والأكل ودخلت مصطلحات
وكلمات للثقافة المحلية .
وقد استقبلت ليبيا عدد من موجات الهجرة وبأعداد كبيرة، ومن أهمها هجرة
بني هلال وبني سليم العربية في القرن الحادي عشر، وكان لها تفاعل
اجتماعي وتأثير ثقافي ولغوي في المجتمع وخصوصاً في الجانب الأدبي
والشعري وظل تراثاً شعبياً يتناقل بين الأجيال حتى نهاية القرن
العشرين.
وحين فتحت البلاد أبوابها للتجارة مع دول الأوربية في البحر المتوسط
وتضاعف حجم التعاون والتبادل التجاري حتى مطلع القرن السادس عشر،
المرحلة التي اندفعت بعض القوى الأوربية بقوة السلاح تغزو الشواطئ
الليبية في نظرة استعلائية لتفرض سيطرتها وثقافتها وإقصاء الأخر صاحب
الحق والأرض، فكانت المواجهة متمثلة في نظرية التحدي والاستجابة وكانت
فورية وقوية حسب السياقات المختلفة التي تتجلى فيها الهوية خطاباً
وسياسات، فكل عناصر الهوية تستدعي في أثناء الحرب والغزو الخارجي أجواء
المقاومة من عنصر ديني وثقافي وحضاري وأثني ولغوي. وظل المجتمع الليبي
محافظاً ومتمسكا بكيانه الثقافي العربي الإسلامي رغم التحديات وتكالب
المحن واشتداد الأزمات الدولية من حوله.
وحين تغير ميزان القوى في البحر المتوسط ، اصطدم الأوربيون بالعثمانيين
الذين جاءوا كقوة إسلامية بديلة في منطقة كانت تتمزقها الخلافات
المذهبية، ودخلت في صراعات محلية دموية، الأمر الذي مكن العثمانيين من
السيطرة على المنطقة العربية بأكملها تقريباً وبكل يسر بعد أن تغلبوا
على الأسبان والبرتغاليين وفرسان مالطا الذي كانوا يهدفون للسيطرة على
مدن شمال أفريقيا وربطها بأوربا ثقافياً ودينياً وإبعاد العرب المسلمين
نحو الصحراء حتى لا يعودوا مرة أخرى للأندلس ولدينا مثال حي متمثل في
سبتة ومليلة المغربيتين .
ورغم ما تمتعت به بعض الجاليات الأوربية من امتيازات تحصلت بموجبها على
مكاسب ثقافية واجتماعية وتأسيس ومؤسسات تعليمية، لكن تأثيرها الثقافي
في المجتمع كان محدوداً لأن المنطقة مشبعة ثقافياً على النمط التقليدي.
ومع لم يكن المثقفين الليبيين إن جاز لنا التعبير منغلقين ومنعزلين
بشكل كلي رغم الظروف السياسية التي فرضتها الدولة العثمانية في الحد من
الاتصال بالعالم الأوربي، وفي العهد العثماني انتشر التعليم الأهلي في
أغلب المدن والقرى وقامت الزوايا والطرق الصوفية بدور كبير في رسوخ
الثقافة العربية الإسلامية وشهدت البلاد حركة نشطة في طبع الكتب
والجرائد والصحف محلياً ومنها ما يصل من الخارج إلى الأهالي، ويكفي أن
نشير إلى أن سجلات المحاكم الشرعية كنموذج ثقافي وما يمثله التراث
الشفهي الذي ينقل عبر الأدب والشعر الشعبي دليل على كونه عنصر هام في
رسوخ الهوية الليبية، أما عن الانفتاح لثقافة الآخ نذكر من الشخصيات
المثقفة الليبية الحاج أبوربعية صاحب مكتبة بطرابلس كان يأتي بالجرائد
العربية والأجنبية من حين للآخر مثل ؛ (الأهرام القاهرية وبيروت
اللبنانية) وبعض الجرائد الاجنبية، وتوزع على المهتمين إلا أن السلطات
العثمانية كانت تخشى من بلبلة الأفكار لذا وضعت قيوداً ورقابة صارمة
على دخول المطبوعات عبر ميناء طرابلس وكثيراً ما تم مصادرة بعض الصحف
العربية والفرنسية التي لا تتوافق وسياسة الدولة العثمانية .
إن استقرار العثمانيين لأربعة قرون في معظم البلاد العربية، ارتكز بشكل
كبير على الوجود العسكري والسيطرة الإدارية التي ضمنت لهم جمع الضرائب
بطريقة تعسفية، وعملوا على إخماد الفتن والثورات بقسوة مبالغ فيها،
لكنهم في الجانب الآخر لم يؤثروا كثيراً في البناء الثقافي وأن الكم
الهائل من الوثائق والمراسلات قد سطرت باللغة العربية والتركية
(العثمانية ذات الحرف العربي) التي تحتفظ بها الأرشيفات المحلية
والتركية والعربية وغيرها.
وعشية مغادرة العسكر الترك الأرض العربية سنة 1912، لم نجد أثراً
واضحاً لثقافة تعليمية تركية متجذرة في المجتمع بل حتى أن اللغة
العثمانية لم يتقنها إلا الموظفون لضرورة الحصول على الوظيفة، وسرعان
ما اختفت أو تلاشت المؤثرات التركية بشكل عام، وكأنهم لم يلبثوا في
البلاد إلا عشية أو ضحاها، ودخلت تركيا قبيل إعلان دولتها الحديثة
سياسة التتريك واجهها العرب بالتمسك بلغتهم وثقافتهم العربية عبر كل
الوسائط الممكنة في طول البلاد وعرضها. ولم يبق من آثار الترك سوى بعض
المعمار المتمثل في عدد من المساجد والأسواق وبعض الحصون المتواضعة
البنيان.
وقبل أن تعلن ايطاليا الحرب على ليبيا سنة 1911 بعقدين قامت بما يعرف
بسياسة التغلغل السلمي من خلال إنشاء مؤسسات اقتصادية واجتماعية
وثقافية في محاولة لوجود أرضية تحاول من خلالها فرض سياسة أمر الواقع
ومحاولة إقناع الليبيين إن الإيطاليين قدموا باسم الحضارة والمدنية
الأوربية كمنقذين من التخلف ومحررين من نير استبداد الأتراك، متجاهلين
الرابطة الإسلامية التي كانت تجمع الليبيين بالعثمانيين. وأول عمل
حضاري قامت بها القوات الإيطالية سواء إن كان مخطط له في إحداث فجوة
وخلخلة في تراث الأمة من خلال إتلاف وثائق العهد العثماني والعهد
القرمانلي ونجت بأعجوبة وثائق العهد العثماني الثاني. وقبلهم الرحالة
الأجانب الذين عملوا على نقل وسرقة الكثير من المخطوطات والوثائق
العربية في عمل مقصود أو غير مقصود لإفراغ البلد من محتواه الثقافي.
وكان من بين أهداف ايطاليا الاستعمارية منذ بداية نشاطها أن تغرس في
نفوس رعاياها إخلاصهم واحترامهم لإيطاليا ولحضارتها، وتبدو أن سياسة
طلينة السكان الوطنيين مرادفة للاستبدال الكامل للثقافة الوطنية
الإيطالية، بيد أنها لم تكن فعلاً كذلك فمن الناحية النظرية، تنطوي
سياسة الاستيعاب على فقدان السكان لصفاتهم المتميزة : الثقافة، الجنس،
اللغة، الدين، والعامل النفسي، ومن تم تبنيهم للسلوك المميز للجماعات
التي قامت باحتوائهم. وهذا المبدأ مخالف تماماً للقوانين الاستعمارية
التي تعود لسنة 1882 التي تكفل للرعايا الإيطالية حرية الدين واحترام
التقاليد والحقوق الشخصية، وقد تم التأكيد عليه في منشور (كانيفا) قائد
الحملة العسكرية سنة 1911، ولكن ممارسة الجنود جاءت منافية لكل المزاعم
في احترامهم للشعائر الدينية الإسلامية. إن واقع السياسية الاستعمارية
الإيطالية تعمد إتباع منهج الاستلاب ثم الاحتواء، وانطوت الفكرة على
غرس أفكار في عقول السكان الوطنيين بعظمة وتفوق الحضارة الإيطالية وسعت
بكافة السبل بإقناعهم بالميزة الاستثنائية لكونهم ورثة أمجاد روما
العظيمة.
إنه من خلال سياسة التغلغل السلمي أو التمهيد للغزو الايطالي الفاشل في
المجال الاقتصادي، أفادت التقارير والمعلومات التي تحصلت عليها
الاستخبارات الايطالية قبيل العمليات العسكرية أن طبيعة الشعب الليبي
المتمسك بقوة بعروبته وإسلامه وبحريته لن تقبل المساومة لذا ينبغي
اتخاذ أساليب المراوغة والمخادعة لكسر كبريائه. من هنا جاءت نبرة
الكلمة والدعاية من خلال المناشير كمحاولة لإحداث خلخلة وربكة وشقاق
بين من سيقبل ويرفض الاحتلال. جاء منشور كانيفا القائد العسكري
بأسبوعين قبل الغزو المباشر، مخاطباً الأهالي من خلال العواطف الدينية
والأخلاقية!!! التي تحض على الاستسلام للقوي وأن عليهم تحكيم العقل
والمصلحة وأنه لا داعي لرفع السلاح، لأن ايطاليا المتحضرة قدمت لتحقيق
الرفاهية للشعب الليبي وتحقيق العدالة واحترام الدين الإسلامي!!. وأن
قدر ومصير الليبيين أن ابتلوا بالاستعمار الإيطالي فلا يجب مقاومته
وهذا أمر مكتوب لا مفر منه. جاء هذا المنشور في وقت سياسي حرج جداً بين
الضعف والتخاذل العثماني الرسمي وبين الشعور الوطني لليبيين المشحون
بالغضب والرفض المطلق للاحتلال وإنه عازم على الاستعداد للمقاومة
الشعبية الشاملة، ولم تنطل هذه الحيل الخادعة على الليبيين الذين كانوا
يدركون جيداً أن أجواء الحرب والعدوان أصبحت قاب قوسين أو أدنى ولن
يؤخرها لا منشور ولا كلام معسول. فالليبيون أعدوا أنفسهم لرد وصد
العدوان بكل ما يملكون وشعارهم إما النصر أو الاستشهاد على أرضهم
دفاعاً عن الأرض والعرض والدين.
وتشير المصادر أن أول استخدام للطيران في الحرب كان في ليبيا من قبل
القوات الجوية الإيطالية في 21 أكتوبر سنة 1911 حين انطلقت طائرة ذات
سقفين في أول تجربة عسكرية. ولما جوبهت القوات الإيطالية بمقاومة عنيفة
تكبد فيها العدو خسائر جسيمة، ولم يتمكن الرصاص من لوي أو كسر ذراع
المقاومة، حاولت العقلية العسكرية الإيطالية الالتفاف وتغيير
إستراتيجيتها مرحلياً وتحول دور الطائرات إلى حرب ثقافية سياسية
دعائية، وقد اجتهدت الإدارة الاستعمارية بمساعدة بعض المتطوعين من
العملاء الذين طمعوا في الحصول على بعض المناصب والأموال، في إعداد
المناشير التي كتبت بدقة وعناية فائقة، من خلال اختيار عبارات منمقة لا
يكتبها إلا من هو عارف وواع لصلابة وعزيمة المقاومة التي ارتكزت على
العامل الديني والوطني، لذا جاءت لغة المناشير كأسلوب يخاطب المشاعر
والعواطف الدينية من خلال الاستشهاد بآيات قرآنية تم انتقاءها وتوظيفها
في غير سياقها. وقد انهالت سيل من الأكاذيب الرسمية التي صاحبت
العمليات الحربية منها أن أحدى الطائرات الإيطالية ألقت ألاف من
المنشورات باللغة العربية في مدينة طرابلس، جاء فيها بيان موقع من رئيس
الوزراء الإيطالي ووزير الخارجية ، وفحواه أن إيطاليا كانت أكثر دول
أوربا ثراء وقوة ، وأنه لا جدوى من استمرار العرب في الحرب طالما أن
الأسطول الإيطالي قد تمكن من إغراق ست عشرة ناقلة عثمانية في البحر
المتوسط.
وقد سجل المنصفون من
الصحفيين الأجانب سخريتهم من سلبية الجنود الإيطاليين وخور عزيمتهم،
فلم يتمكنوا خلال خمسة أشهر من التقدم سوى ثمانية كيلومترات. فقد بلغ
من شجاعة الليبيين وجسارتهم أنهم الصقوا على جدران طرابلس منشورات
تتحدى الايطاليين أن يظهروا في شوارع المدينة للقتال، ولكن القوات
الإيطالية كانت أضعف من أن ترد على ذلك التحدي سوى بإلقاء وإغراق
الليبيين بالآلاف من المنشورات الهزيلة من طائراتهم والمليئة تارة
بالتهديد والوعيد الأجوف وتارة بالوعود الخادعة.
ومن بيت الادعاءات التي حملتها تلك المنشورات ، أن حكومة ايطاليا ستجلب
إلى الأهالي الحلاقين والقابلات، وستنشئ في ليبيا المسارح والملاهي،
وستهيئ حفلات تأبينية مهيبة كلما مات شيخ من ألأعيان.
ومن دسائس الإدارة الاستعمارية الايطالية محاولة بث الفرقة بين أبناء
البلد الواحد وتمزيق وحدة الصف التي كانت تقاوم العدو، من خلال البحث
عن بعض الخلافات والمشاجرات البسيطة بين القبائل أو بين الزعامات،
وحاولت إشعال حروب بين بعض المناطق وإن نجحت في وقت لكن تلك المناوشات
كما يؤكد المرحوم الأستاذ عمرو بغني أنه يخطئ من يرد تلك الخلافات إلى
العرقية أو المذهبية أو حتى الرأي السياسي ، فالحكماء والعقلاء من
السكان تفطنوا لهذه المؤامرة المدمرة وتم فضحها وعادت اللحمة الوطنية
إلى طبيعتها. وبالفعل ان ليبيا سواء في تاريخها الحديث أو المعاصر لم
تعرف الحرب الأهلية وحتى الانتفاضات التي حصلت خلال العهد العثماني
تتطلب منا مراجعة لأسبابها ونتائجها هل مرجعها التنافس على السلطة أو
فقدان بعض الأفراد والفئات ميزات ومكاسب في فترة ما.
وخلال مرحلة الاستيطان أدركت الحكومة الإيطالية من خلال التجربة
الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، أن المساس بالدين الإسلامي بشكل
مباشر، سيثير شعور وحقد المسلمين عليهم داخل البلاد وخارجها، وبالتالي
تم تحييده بل وضعت الدوائر الإيطالية سياسة تدعي فيها احترامها للشعائر
الإسلامية، حتى تضمن ولاء وكسب ثقة بعض المشائخ والفقهاء الذين كان لهم
تأثير على عامة المسلمين وطرحت فكرة تكوين مستعمرة إيطالية تدين
بالإسلام حتى حين!!. ومن هنا جاء التركيز على الجانب الثقافي التعليمي،
لكونه يشكل قاعدة الولاء ومن خلاله يتم الاحتواء والتوجيه لسياسة
التبعية. لذا لعبت المدرسة الاستعمارية الحكومية من (مسؤولين وسياسيين
وتربويين) لتعليم السكان المحليين من ناحيتها دورا هاماً جداً في
محاولة لطلينة الليبيين. بل هناك من المؤرخين الإيطاليين من ذهب إلى
ابعد من ذلك بقوله أن التشريع التعليمي الذي وضع لليبيين سنة 1914 يهدف
إلى استيعاب فوري للسكان الوطنيين. وما من شك الحكومة الإيطالية قد
استفادت من نموذج السياسة التعليمية التي اتبعتها فرنسا في مستعمراتها.
ومن المفارقات في السياسة الدولية عقب الحرب العالمية الأولى 1914-1918
إعلان مبادئ (ولسن الرئيس الأمريكي) التي تنادي بحق تقرير الشعوب
مصيرها مع ضرورة التفكير حيال الرعايا وحقهم الاحتفاظ بطقوسهم، ومن
المؤكد أن الإعلان قد أثر في مناقشات بعض أعضاء المعهد الاستعماري
الإيطالي، وقد خفت نسبياً حدة إشكال سياسة الاحتواء لفترة من الزمن.
وفي المقابل ظهرت وجهة نظر ايطالية أخرى قلقة ومحذرة الحكومة من أن
التساهل في فتح المدارس الإسلامية للسكان المحليين قد يصبح عامل مثير
في مضاعفة الروح القتالية عند المجاهدين الليبيين ويؤلب المسلمين على
المسيحيين. وأين كانت التأثيرات فالحقيقة الماثلة لا تعزى لمبادئ
(ولسن) وحدها لأنه هو نفسه تنكر لها. بل فرضتها حتمية المعركة الحضارية
بين ثقافة الدخيل وصمود وأصالة الليبيين رغم كل الظروف الصعبة المتمثل
في المقاومة العسكرية في أغلب المناطق. كانت سياسة الحكومة الايطالية
مبنية على إخضاع المقاومة والهيمنة التامة على السكان الوطنيين بقوة
السلاح وبالتشريعات وإدماج التلاميذ في المدارس الحكومية وتعويذهم على
الطاعة والانضباط، ومن تم تطويع وتكييف المناهج الايطالية لتخدم مبادئ
الفاشية. ولم تخطط ايطاليا لتعليم الوطنيين أكثر مما يجب، واقتصر
التعليم على بعض المهن الحرفية البسيطة وتخريج بعض الكتبة والموظفين
ليقوموا بدور الوسيط بين الأهالي والحكومة الاستعمارية. ومن أجل تكوين
جيل موال
من السكان انتهجت الحكومة الفاشية نظام تعليمي عسكري من خلال إنشاء
منظمات شبابية من نمط (الباليلا) وشباب (الليتوريو).
ومن الملفت للنظر أن سياسة التجهيل التي انتهجتها سياسة الحكومة
الإيطالية إزاء السكان الوطنيين، تبدو واضحة مع الذين جندوا في القوات
الإيطالية من الليبيين، فقد علموهم اللغة الإيطالية قراءة وكتابة
ومحادثة ولم يعلموهم فك الخط العربي أو حتى كتابة أسماءهم. والتغلغل
الثقافي مر عبر قنوات متعددة تفاوتت في الأهمية والفاعلية متخذة من
المؤسسة الدينية والتعليمية والأجهزة الإعلامية والتراث الثقافي وسائل
للاتصال المباشر مع الأهالي. وكان الإيطاليون في أغلب الأحوال حريصين
على تقديم مادتهم مبطنة ومغلفة مستخدمين أسلوب الترغيب. ورغم كل تلك
المحاولات للإدارة الاستعمارية والمجهودات والأموال التي صرفت والخطط
التي وضعت لطلينة الليبيين، فإن النتائج كانت مخيبة لآمال الحكومة
الإيطالية.
وقد تعرضت الهوية الليبية لتحدي خطير عقب الحرب العالمية الثانية حيث
عمدت السلطات الأجنبية تقسيم البلاد بين ثلاث ولايات إدارية عسكرية
لأول مرة في تاريخ البلاد، وهي لا شك أن هذه الخطوة كانت لها أبعاد
ثقافية مبيتة، حاولت تمزيق وحدة التراب الليبي وتفتيت النسيج الحضاري
الاجتماعي لليبيين. لكن التيار العروبي الإسلامي المتمثل في بعض
الأحزاب وضعت قضية الوطن والهوية الليبية معركته المصيرية والتي كانت
أقوى من مشروع تقسيم البلاد (بيفن سفورزا)، وتوحدت البلاد رغم سياسة
المؤامرات الدولة التي نسجت خيوطها في الأمم المتحدة.
وأخيراً أن خروج ايطاليا مهزومة في الحرب الكونية الثانية، استتبعه
انحسار وتراجع ملحوظ في الثقافة الإيطالية في ليبيا، وحتى في ظل وجود
الجالية الإيطالية التي تمركزت في المدن المهمة الساحلية، فإن تأثيرها
ظل محدوداً عند بعض الأسر الغنية التي تواصلت مع المدارس الإيطالية.
وحين تم إجلاء الجالية الايطالية سنة 1970 من ليبيا لم يبق من الثقافة
الإيطالية سوى بعض الكلمات المتقطعة، لأن جذور الثقافة العربية
الإسلامية كانت حرزا وحصناً قوياً قاومت كل أشكال الهيمنة والاستلاب
الحضاري.
|